الأنبياء

شاول يتمادى في كراهية داود

رجع المرض إلى الملك شاول وهو جالس في قصره، فأسرع داود إلى عوده يعزف عليه لعل الملك يُشفى. وكان الملك يمسك الرمح بيده علامة السلطان الملكي، فأراد أن يطعن داود بالرمح، ولكن داود كان يحسب حساب الموقف، فهرب من أمام شاول فاصطدم الرمح بالحائط ونجا داود.

لم يهرب داود من الواجب، ولكنه كان قد وجد أن علاج شاول بالموسيقى لا يشفيه، لذلك فضَّل أن ينجو بحياته عن أن يؤدي خدمة بغير نتيجة. كان يمكن أن يبقى داود ويعرِّض حياته للخطر - لو كان في هذا الخطر فائدة للملك، ولكنه وجد أن حالة شاول بدون علاج، فهرب لينجو بحياته. وأنت أيها القارئ الكريم: حاول أن تصلح، وكن مستعداً أن تقوم بالواجب مهما تعبت، أو تعرضت حياتك للخطر. ولكن إن وجدت أن الواجب الذي تعمله لا ينفع الشخص الذي تخدمه، بل بالعكس يضرك أنت، عندها تهرب لتنجو بحياتك.

شاول يرسل ليقتل داود:

كان شاول الملك يعلم أن زواج داود بابنته ميكال هو الفخ الذي يمكن أن يوقع فيه داود. وعندما هرب داود من أمام شاول أدرك شاول أن داود سيرجع إلى بيته، فأرسل بعض جنوده ليراقبوه ويقتلوه في الصباح. ويظهر أن أحد رجال الملك شاول أخبر ميكال بعزم الملك على قتل زوجها، أو لعل ميكال خمَّنت ذلك، لأنها أكثر من يعرف صفات أبيها الملك الشرير. ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن ميكال علمت أن أباها شاول سيحاكم زوجها داود ويحكم عليه بالإعدام، ولذلك هرَّبت داود من بيتها بسرعة، ثم أخذت تمثالاً بحجم الإنسان وغطته بثوبها. ولما حضر رجال أبيها ليُلقوا القبض على داود قالت لهم إنه مريض في الفراش. فاحترم الرسل ابنة الملك، ولم يطلبوا تفتيش البيت، وعادوا إلى الملك يخبرونه بمرض داود، فأمرهم أن يحضروه في مرضه، لأنه يريد أن يقتله. فعاد الرسل من جديد إلى بيت داود وفتشوه، فوجدوا التمثال فأخبروا شاول بهرب داود. وغضب شاول وسأل ابنته: »لِمَاذَا خَدَعْتِنِي، فَأَطْلَقْتِ عَدُوِّي حَتَّى نَجَا؟« فَقَالَتْ مِيكَالُ لِشَاوُلَ: »هُوَ قَالَ لِي: أَطْلِقِينِي، لِمَاذَا أَقْتُلُكِ؟« (1صموئيل 19:17).

لقد امتلأ بيت الملك شاول بالبغض، ولا غرابة إن خدعته ابنته. لا شيء يهدم البيوت مثل عدم الغفران والكراهية. فالكراهية والحقد يفسدان حياة الشخص الذي يحقد، ويفسدان بيته، ويفسدان حياة الآخرين الذين يحقد عليهم.

إن كان في قلبك حقد اتركه، لأنه يفسد حياتك وحياة غيرك، وتكون نتيجته وبالاً على أولادك وعلى نفسك وعلى الشخص الذي تحقد عليه.

ويقول معظم المفسرين إن داود كتب المزمورين السابع والعشرين والرابع والثلاثين بمناسبة هروبه هذا، فاسمعه في إيمان واثق يقول: »اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلَاصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لَا يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. لِأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. مَلَاكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ. ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ. قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ« (مزمور 27:1 و3 و5، 34:7 و8 و18)

ونحن نرى حياة شاول في كراهيته وحياة أهل بيته، دعنا نتذكر كلمات السيد المسيح: »بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ« (يوحنا 13:35).

داود يهرب إلى صموئيل:

هرَّبت ميكال زوجها داود، فنزل من الكوة إلى خارج سور المدينة ووقف حائراً: إلى أين يذهب؟ وتذكر صديقه وأباه الروحي صموئيل. وكان صموئيل قد فتح مدرسة للأنبياء ليدرِّب فيها أولاد الله على الوعظ. وحكى داود لصموئيل كل ما عمله شاول معه. فدعاه صموئيل ليقيم معه في نايوت (ونايوت معناها »مساكن«). وعرف شاول أن داود ذهب إلى نايوت فأرسل رسلاً ليُلقوا القبض عليه ليقتله. ولكن شيئاً غريباً حدث، فعندما رأى رسل شاول جماعة الأنبياء يتنبأون بالوعظ والترتيل والصلاة، وصموئيل يقودهم، حل روح الله على رسل الملك فبدأوا يتنبأون هم أيضاً، ولم يُلقوا القبض على داود.

وأرسل شاول جماعة أخرى فحدث معهم الشيء نفسه، وأخيراً جاء شاول بنفسه ليرى الخبر الغريب، فلم يقدر أن يلقي القبض على داود. كان الرب قادراً أن ينقذ داود بالقليل وبالكثير، وبهذه المعجزة الغريبة نجا داود من الهلاك. والله يُعلّم داود ويعلمنا أن النجاة والإنقاذ هما من يده وحده.

كنا نظن أن شاول سيترك داود في سلام بعد أن رأى خلاص الرب لداود بطريقة معجزية. ولكن شاول بقي في فساده وشره. ونلاحظ أنه كلما زادت المقاومة زاد خلاص الرب، وكلما ظن العدو أنه أشرف على إهلاك أولاد الله خابت ظنونه. وسنذكر بعض الحوادث في تاريخ حياة داود تكشف لنا أن الله لا ينعس ولا ينام، وأنه يحامي عن أولاده وينقذهم ويحقق لهم مواعيده. ونرى فيه الإله المحب الطيب الذي لا يخزى منتظروه.

داود يهرب إلى أماكن مختلفة:

بعد أن حل روح الله على شاول وعلى رجاله، قابل داود صديقه المحبوب يوناثان وقال له: »مَاذَا عَمِلْتُ وَمَا هُوَ إِثْمِي وَمَا هِيَ خَطِيَّتِي أَمَامَ أَبِيكَ حَتَّى يَطْلُبَ نَفْسِي؟« (1صموئيل 20:1) فوعد يوناثان أن يكلم أباه عن داود. وعندما كلَّمه غضب وشتمه، وطلب منه أن يهرب لينجو. لقد كان يوناثان صديقاً حميماً لداود، وسبق أن قدم له الحماية، وصالحه مع شاول أبيه. لكنه في هذه المرة رأى أن الصلح مستحيل، ولذلك حذر داود لكي يهرب. وهرب داود وذهب إلى نوب. ونوب مدينة من مدن الكهنة في شمال أورشليم. وقابل داود الكاهن الذي كان هناك، وأخذ منه »خبز الوجوه« الذي كانوا يضعونه في بيت الرب مدة أسبوع، ثم يبدلونه بخبز جديد. ومن ذلك الكاهن أخذ داود أيضاً سيف جليات. وفي نوب رأى داود واحداً من رجال شاول اسمه دواغ، فأدرك أن دواغ لا بد سيخبر شاول عن مكانه، فهرب داود إلى بلاد الفلسطينيين. وقد حدث فعلاً ما توقعه داود، فقد أبلغ دواغ شاول أن الكهنة يحبون داود ويعطونه الطعام والسلاح. وفي جنونٍ غضب شاول وقتل من الكهنة خمسة وثمانين كاهناً، ثم ضرب مدينتهم بالسيف، وقتل كل من فيها - ما عدا أبياثار ابن الكاهن الذي أعطى داود الخبز والسيف، لأن أبياثار هرب إلى داود. وهرب داود بعد ذلك من نوب إلى بلد من بلاد الوثنيين اسمها »جت« ولما وجد أنه في خطر تظاهر بالجنون، فتركوه ليذهب إلى مكان آخر. فهرب داود إلى مغارة اسمها عدلام وهي قريبة من بلده الأصلية بيت لحم. وسكن هناك، فاجتمع إليه المتضايقون وسكنوا معه. وقد استطاعت عائلة داود أن تزوره هناك.

وسمع داود أن الوثنيين هاجموا مدينة اسمها قعيلة، وجعلوا ينهبون محصول القمح منها. ولما كانت قريبة من مغارة عدلام، ذهب داود في شجاعة إليها ليحارب الوثنيين، وانتصر عليهم وخلص قعيلة. وعندما سمع الملك شاول أن داود في قعيلة، أسرع إليها ليمسكه ويقتله. وعرف داود من الله أن أهل قعيلة سوف يسلمونه إلى الملك شاول، فهرب إلى مكان خرب مقفر اسمه »برية زيف«. وسمع يوناثان ابن الملك شاول أن صديقه داود موجود في برية زيف، فذهب إليه وشدَّد يده بالله. وما أجمل ان يسمع الإنسان منا تشجيعاً أن الله معه. عندما تظلم الدنيا في وجوهنا نحتاج إلى كلمة رجاء وأمل، ونشكر الله أن كلمة الرجاء والأمل في وسط الظروف الصعبة موجودة دائماً في مواعيد الله الأمينة. ما أجمل أن تكون أنت صديقاً صالحاً تعطي تشجيعاً لنفس حائرة. وما أجمل أن يرسل الله لنا كلمة تشجيع في ضعفنا وضيقنا على فم صديق يحبنا.

وذهب سكان برية زيف إلى الملك شاول وأخبروه أنهم سيسلمونه داود. ولكن الله أنقذ داود، فإن شاول وهو في طريقه ليقبض على داود، سمع أن الأعداء قادمون ليحاربوه، فرجع ليدافع عن أرضه، وهكذا أنقذ الله داود. وصار اسم برية زيف »صخرة الزلقات« لأن شاول عثر وانزلق ولم يقدر أن يمسك داود فيها. وانتقل داود بعد ذلك من برية زيف ليسكن في حصون »عين جدي«.

نرى من هذه القصص جميعاً أنه عندما يأتي العدو كنهر فنفخة الرب تدفعه (إشعياء 59:19). وكما أنقذ الله داود ينقذك أنت من العدو الذي يقاومك، ومن الشيطان الذي يجول حولك ملتمساً أن يبتلعك، ومن الخطية الساكنة فيك والتي تسبيك إلى الشر الذي لا تريده. ما أجمل أن ننفذ الوصية التي تقول: »فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ« (أمثال 3:6).

  • عدد الزيارات: 2286
أضف تعليق