الأنبياء

معجزة أليشع الرابعة عشرة

أليشع يُخبر حزائيل بمستقبله

(2ملوك 8:7-15)

في المعجزة السادسة التي أجراها الله على يدي النبي أليشع، قرأنا عن المرأة الشونمية التي أعطاها الله ابناً، ثم قرأنا كيف أقامه أليشع من الموت.

وبعد سنوات قال أليشع للشونمية: »اذهبي من هنا أنت وبيتك، وتغرّبي، لأن جوعاً شديداً قادم على هذه البلاد وسيستمر سبع سنوات«. فأطاعت المرأة قول نبي الرب، وانطلقت هي وأهل بيتها لتتغرّب في أرض الفلسطينيين سبع سنين. وفي نهايتها رجعت لبلادها، فوجدت أن آخرين استولوا على حقلها، فذهبت إلى الملك ترفع إليه شكواها.

في تلك اللحظة كان جيحزي خادم أليشع واقفاً في حضرة الملك يروي له بعض المعجزات التي أجراها أليشع. وبينما هو يخبره كيف أحيا أليشع الميت، إذا بالشونمية تتقدم لترفع شكواها لأجل بيتها وحقلها. فقال جيحزي في اندهاش: »يا سيدي الملك، هذه هي المرأة، وهذا هو ابنها الذي أحياه أليشع«. فسأل الملك السيدة، فأخبرته كيف أقام الله ابنها من الموت بواسطة أليشع. وأنصفها الملك وأرسل معها واحداً من رجاله أعاد إليها مالها، وجميع غلات الحقل من حين تركت الأرض إلى ذلك اليوم.

ثم ذهب النبي أليشع الى دمشق، وكان ملك سوريا مريضاً، فأرسل قائد جيشه (واسمه حزائيل) ومعه هدية كبيرة الى النبي أليشع ليرحب به وليسأله: »هل أُشفى من مرضي هذا؟«. وحمل حزائيل الهدية ومضى يستقبل بها النبي أليشع ويسأله عن مصير صحة الملك، فقال: »قُلْ للملك شفاء تُشفى، وقد أراني الرب أنه يموت موتاً«. وأغلب الظن أن أليشع قصد أن يقول لحزائيل: إني أعلم أنك ستردُّ على سيدك جواباً لطيفاً يتوقّعه، فتقول له شفاء تُشفَى. ولكن الرب يقول إنه يموت موتاً.

ثم ثبّت أليشع نظره على حزائيل حتى خجل حزائيل، لأنه شعر أن أليشع عرف أفكار قلبه. فابتدأ النبي أليشع يبكي. فسأله حزائيل: »لماذا يبكي سيدي؟« فأجابه: »لأني علمت ما ستفعله ببني إسرائيل من الشر، فإنك تحرق حصونهم بالنار، وتقتل شبانهم بالسيف، وتحطم أطفالهم، وتشق حواملهم«. فأنكر حزائيل أنه سيفعل ذلك.

وعاد حزائيل إلى الملك وأخبره أنه سيعيش.

وفي الغد أخذ حزائيل اللِّبدة، وربما كانت بساطاً على الأرض وغمسها بالماء ونشرها على وجه الملك، فمات، وتولى حزائيل المُلك عوضاً عنه. لقد كان حزائيل متواضعاً، ولكنه بعد قتل سيده قتل بني إسرائيل - بدأ صالحاً، ثم صار رديئاً.

وأنت إذا أهملت واجبك تجاه الله، فإنك تستعبد نفسك للشر. أما إذا تأملت في تكليف الله لك وانتظاراته منك، فإنك ستستخدم قوّتك لعمل الخير. في داخل كل إنسان منّا قوّة مخيفة للشر، علينا أن نحترس منها. ونحن نتذكر أنه عندما أراد قايين أن يقتل أخاه هابيل، حذَّره الله من ذلك قائلاً: »لماذا اغتظت ولماذا سقط وجهك من الغيظ؟ إن أحسنت أفلا رفعت وجهك؟ وان لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، إليك اشتياقها وأنت تسود عليها«. فالله يقول لقايين: إنك يجب أن تصرف الغضب من داخل نفسك، وإلا فإن الخطية التي تشتاق إليها سوف ترتكبها، ولو أنك تقدر أن تسود عليها (تكوين 4:6 و7). وما أجمل ما يقول الكتاب المقدس: »بَاعِدْ رِجْلَكَ عَنِ الشَّرِّ« (أمثال 4:27).

مَسْح ياهو ملكاً على إسرائيل:

ودعا النبي أليشع واحداً من بني الأنبياء وقال له: »خُذْ قنينة الدهن هذه بيدك واذهب الى راموت جلعاد وفتّش عن ياهو بن نِمْشي وامسحْهُ ملكاً على إسرائيل«. وكان الله قد أمر نبيَّه موسى أن يعمل دهناً خاصاً يمسح به الكهنة، وأمره ألاَّ يصنع أحد مثلَه على مقاديره، وأن يكون هذا الدهن مقدساً. ولم نسمع أن واحداً من ملوك إسرائيل أنه مُسح بالدهن إلا ياهو وحده. وكان ياهو قائداً شجاعاً، يسوق بجنون، لا يخاف أحداً من الناس، ولا يخاف الله! وكان ناجحاً في كل شيء إلا في الأمور الدينية! ولم يكن أحد يجرؤ أن يخالف أوامره. وكان قائداً للجيش في زمن الملك أخآب.

والتقى النبي الصغير بياهو وصبّ الدهن على رأسه، وقال له: »هكذا قال الرب إله إسرائيل، قد مسحتُك ملكاً على شعب إسرائيل، فتضرب بيت أخآب سيدك، فينتقم الرب لدماء عبيده الأنبياء، ودماء جميع عبيد الرب، من يد إيزابيل الملكة الشريرة. وتبيد كل بيت أخآب، ولا تُبق منهم أحداً كبيراً أو صغيراً حقيراً أو عظيماً«.

ويتذكر القاريء أن الله كان قد كلّف نبيّه إيليا أن يمسح حزائيل ملكاً على أرام، وأن يمسح ياهو بن نمشي ملكاً على إسرائيل، وأن يمسح أليشع بن شافاط نبياً عوضاً عنه (1ملوك 19:15 و16). وقام النبي إيليا بتخصيص النبي أليشع للخدمة الدينية خَلَفاً له، ولكنه لم يمسح حزائيل ولا ياهو. وها نحن نرى وصية الله للنبي إيليا تتحقق، فقد مسح أليشع حزائيل ملكاً على دمشق، وكلف أليشع واحداً من أولاد الأنبياء أن يمسح ياهو بن نمشي ملكاً على إسرائيل. صحيح أن إيليا لم ينفذ الوصية بنفسه، لكنه نفَّذها من خلال أليشع، ومن خلال ذلك الشاب النبي. وهذا يعني أن كل الذين يخدمون الله يخدمونه في سلسلة متصلة لا تنقطع. وهذه الحقيقة تجعلنا نحسّ أننا امتداد لجماعة المؤمنين العظماء الذين يخدمون الله.

حقق الله رغباته في إيليا وفي اليشع وفي ذلك النبي غير المعروف، ويمكن أن يحقق قصده فيك أنت، لو أنك سمحت له أن يفعل ذلك.

  • عدد الزيارات: 3115
أضف تعليق