الأنبياء

معجزة أليشع الثالثة عشرة

الله يفتح كوى السماوات

(2ملوك 6:2 7:19 و20)

في المعجزة الثانية عشرة رأينا كيف جاء جنود من الجيش السوري ليُلقوا القبض على النبي أليشع، فطلب من الله أن يصيبهم بالعمى، ثم أخذهم إلى وسط عاصمة بني إسرائيل، مدينة السامرة، وهناك فتح عيونهم، ثم طلب من ملك إسرائيل أن يولم لهم، فأولم لهم وليمة عظيمة. ولكن الجيش السوري نسي معروف ملك إسرائيل، فجاء مرة أخرى ليحاصر مدينة السامرة. ولجأ ملك إسرائيل إلى قاعدته المحصّنة على رأس تل، واستمر الجيش السوري يحاصر السامرة حصاراً طويلاً أليماً، حتى صار رأس الحمار الذي لم يُؤكَل مطلقاً، طعاماً ثميناً، بلغ ثمنه ثمانين قطعة من الفضة. أما رُبْع الأوقية من زبل الحمام فقد صارت بخمس قطع من الفضة.

وخرج ملك إسرائيل ليتقصَّى أحوال شعبه المحاصَر، فصرخت إليه امرأة: »خلّصنا يا سيدي الملك«. فقال: »يخلصك الرب. من أين أخلصك أنا؟ أمن البيدر أو من المعصرة؟«. فلم يكن هناك بيدر قمح ولا معصرة زيت. ثم قال لها: »مالك؟« فحكت له قصة مؤلمة للغاية. قالت له إنها اتفقت مع جارتها على أن يسلقا ابنها في اليوم الأول ليأكلاه، على أن يسلقا ابن جارتها في اليوم التالي. وسلقت الأم ابنها وأكلته الأمّان مع العائلتين. ولكن الأم الثانية رفضت أن تسلق ابنها في اليوم التالي!

كانت القصة مريعة، فقد كان الجوع نتيجة الحصار شديداً، أصاب الناس بالجنون، حتى فقدت الأم المسكينة غريزة الأمومة بسبب ضغط الجوع. ولما سمع ملك إسرائيل ذلك مزق ثيابه، وإذا به يلبس المسوح، ملابس الحزن، تحت ملابسه الخارجية. أغلب الظن أن الملك في حزنه وانكساره أمام الله كان يخفي مسوحه حِفاظاً على الروح المعنوية لشعبه - وربما كان يريد أن يتذلل أمام الله بذلك.

وانقلب غضب الملك فوراً على النبي أليشع،وقال: »هكذا يصنع لي الله وهكذا يزيد، إن قام رأس أليشع بن شافاط على جسده اليوم«. فقد ظنَّ الملك أن أليشع لعن الشعب فأصابه الحصار الذي جلب الجوع. وكان يعتقد أن أليشع يقدر أن يخلّص شعبه لو أراد، واتهم الملك أليشع بأنه يرفض ذلك. وربما كان أليشع قد وبّخ الملك على شروره، وقال له إن خطاياه هي السبب في غضب الرب على شعبه، فأصابهم ما أصابهم من حصار وجوع ومذلة.

وأرسل الملك رجالاً من عنده ليقطعوا رأس أليشع. وكان أليشع جالساً وسط شيوخ البلاد، فكشف الله له عن مجيء رسول الملك، والملك من ورائه. فقال للشيوخ: »هل رأيتم أن ابن القاتل هذا قد أرسل لكي يقطع رأسي؟«. ولما وصل الملك قال أليشع له، ولكل الحاضرين: »اسمعوا كلام الرب: هكذا قال الرب: في مثل هذا الوقت غداً تكون كيلة الدقيق بشاقل وكيلتا الشعير بشاقل في باب السامرة«.

وكان الكلام غريباً وصعب التصديق، فقال صديق الملك الخاص: »هوذا الرب يصنع كُوى في السماء! هل يكون هذا الأمر؟« فأجابه النبي أليشع: »إنك ترى بعينيك، ولكنك لا تأكل منه«.

وتحقق كلام الله على فم نبيّه أليشع، بالرغم من استحالة تحقيق ذلك. ففي الليل جعل الرب جيش سوريا يسمعون صوت مركبات وخيل، وصوت جيش عظيم. فظنّوا أن ملك إسرائيل قد استأجر ضدهم ملوك الحثيين والمصريين ليأتوا عليهم. الحثيون قادمون من الشمال، والمصريون قادمون من الجنوب. فهرب رجال الجيش السوري في العِشاء، وتركوا خيامهم وخيلهم وحميرهم، لينجوا بأنفسهم. وبالطبع لم يعرف رجال بني إسرائيل أن السوريين قد هربوا. وكان أول من علم بهذا أربعة رجال بُرص، كانوا ممنوعين من دخول البلد بسبب مرضهم، وكان الأهالي يلقون لهم الطعام من بعيد. لكن بسبب الجوع القاتل انقطع الأهالي عن تموينهم بالطعام، فقرر البُرْصُ أن يذهبوا إلى رجال الجيش السوري. لقد اعتبروا أنفسهم أمواتاً على أي حال - من الجوع، أو بسيف السوريين. ومن يعلم: ربما أشفق السوريون عليهم وأطعموهم.

وعندما وصل البُرْص الأربعة إلى معسكر السوريين لم يجدوا أحداً. فدخلوا خيمة وأكلوا وشربوا وحملوا منها فضة وذهباً وثياباً ومضوا وطمروها. ثم عادوا ودخلوا خيمة أخرى، وحملوا منها طعاماً وخيراً كثيراً وطمروه. ثم قال بعضهم: »لسنا عاملين حسناً. هذا اليوم هو يوم بشارة ونحن ساكتون. إن انتظرنا الى ضوء الصباح يصادفنا شر. هلم الآن ندخل ونخبر بيت الملك«.

ووصلوا إلى سور المدينة وأبلغوا البواب هناك، الذي أبلغ بدوره الملك. وظن الملك أنها حيلة وخِدعة من السوريين. لقد ابتعدوا قليلاً حتى يخرج الإسرائيليون، فينقضّ السوريون عليهم ويقتلونهم جميعاً. فاقترح واحد من رجال الملك أن يذهب بعض الرجال لاستطلاع الأمر - وذلك على خمسة خيول من الخيول الهزيلة الجائعة التي بقيت داخل المدينة، تجرّ مركبتين، يمضون بهما وراء السوريين ليروا إلى أين وصلوا. وذهب الرجال بخيولهم الهزيلة ومركبتيهم فشاهدوا الطريق ملآنة بالثياب والأواني التي طرحها السوريون في استعجالهم. فرجع الرسل وأخبروا الملك، فخرج الشعب وأخذوا ما وجدوه من طعام وملابس. وهكذا تحققت كلمة أليشع النبي: صارت كيلة الدقيق بشاقل وكيلتا الشعير بشاقل.

وبسبب خروج الشعب كله مندفعاً بسرعة، داسوا على صديق الملك، فقتلوه. لقد رأى تباشير النصر لكنه لم يأكل منه، تماماً كما قال نبي الله أليشع. كان إيمانه ضعيفاً فلم ينل بركة.

وهذه المعجزة تعلّمنا أنه عندما يعطينا الله خيرات يجب أن نشارك الآخرين فيها. هذا ما عمله الرجال البُرْص. ما أن بلغتهم الأخبار المفرحة حتى أسرعوا بها إلى بيت الملك ليخبروا شعبهم بها. إن الفقير الذي وجد الغِنى الروحي يقدر أن ينشر الأخبار المفرحة بالخلاص الذي جاءنا به السيد المسيح. إن خيرات الله غير محدودة، فلنتقاسمها معاً. »من يُرِدْ فليشرب ماء الحياة مجاناً«. ويستطيع الله أن يروي ظمأنا جميعاً إن نحن ارتوينا وحاولنا أن نروي غيرنا أيضاً.

نحن جائعون نلتمس خبزاً لأرواحنا من عند الله، وعلى كل جائع وجد خبز الحياة أن يدعو جائعاً آخر ليجد شبعه أيضاً.

  • عدد الزيارات: 1066
أضف تعليق