الأنبياء

معجزة أليشع الثانية عشرة

أليشع يكشف خطط العدو

(2ملوك 6:8-23)

في المعجزة الحادية عشرة رأينا كيف ألقى أليشع عوداً من النبات على الماء، فطفت قطعة الحديد من فأس كانت قد سقطت فيه.

أما المعجزة الثانية عشرة فتُمثّل نوعاً آخر من دوائر النفوذ الإلهي على العالم كله، فقد حدث أن بنهدد الملك الأرامي (السوري) آنذاك، أراد أن يغزو مملكة إسرائيل، فدبّر مع رجاله مكاناً معيّناً يعسكر فيه جيشه. فأرسل النبي أليشع إلى ملك إسرائيل يحذره من ذلك المكان، لأن الجيش السوري حالّ فيه، فأخذ ملك إسرائيل حِذْره من المكان، الأمر الذي جعل ملك سوريا يظن أن واحداً من رجاله يتجسس عليه، ويُبلغ ملك إسرائيل بأخبار تحركاته. فجمع الملك السوري رجاله وجعل يسألهم، فقالوا له: »ليس الأمر كذلك، لكن أليشع النبي الذي في إسرائيل يخبر ملك إسرائيل بما تتكلم به في حجرة نومك«. فسأل ملك سوريا عن محل وجود أليشع، وعرف أنه في دوثان، التي تقع على بُعد عشرين كيلومتراً شمال السامرة العاصمة، (وفيها البئر التي طُرح فيها يوسف). فأرسل جيشاً عظيماً جداً ليُلقي القبض على أليشع.

وفي الصباح الباكر استيقظ خادم أليشع ورأى الجيش العظيم الذي يحاصر المدينة. رأى خيلاً ومركبات وجيشاً ثقيلاً، فجرى إلى سيده أليشع يسأل: »آه يا سيدي، كيف نعمل؟« لم يَرَ الغلام مفراً من القتل أو من الأسْر. فأجابه أليشع: »لا تخف، لأن الذين معنا أكثر من الذين معهم« - فقد كان النبي أليشع يرى ما لا يُرى. كان يرى جيش الله المحيط به ليحميه، كما قال صاحب المزامير: »مَلَاكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ« (مزمور 34:7). وصلى أليشع وقال: »يا رب افتح عيني الغلام ليبصر« ففتح الرب عينيه فأبصر، وإذا الجبل مملوء خيلاً ومركبات نارٍ حول أليشع. لقد كان عند خادم أليشع إيمان أن الله يخلّص سيده، لكنه كان إيماناً ضعيفاً متزعزعاً، فطلب أليشع من الله أن يقوّي الإيمان الضعيف برؤية جسدية. لقد كان جيش الرب حاضراً، لكن خادم الرب لم يره.

أيها القاريء الكريم، عندما تدعو الله فانه يستجيب لك ويحميك. والحماية موجودة دائماً، حتى لو لم تشعر بها. إن العناية الإلهية لا يمكن أن تتخلى عن أولاد الله أبداً، رغم أنهم في مرات كثيرة لايستطيعون أن يروا يد العناية المُحبّة الممتدّة إليهم. عندما ترى أعداءك يحيطون بك، صلّ أن يفتح الله عينيك لتبصر معونة الله. والصلاة هي الطريقة التي تفتح العيون لنرى بالإيمان عناية الله. عليك أن تصلي، وعليك أن تؤمن بالعناية الإلهية، وستلمسها في حياتك يوماً بعد يوم.

وفي الصباح نزل الجيش السوري الى المدينة، ليُلقي القبض على النبي أليشع، فصلّى النبي: »يا رب، اضرب هؤلاء بالعمى«. فاستجاب الله صلاته، وأصاب العمى كل الجيش السوري الذي جاء ليهجم على النبي. فقال لهم أليشع: »ليست هذه هي المدينة! اتبعوني فأسير بكم إلى الرجل الذي تفتشون عنه«. فسار بهم إلى أن أوصلهم إلى داخل العاصمة، مدينة السامرة - عاصمة مملكة إسرائيل!

في دوثان كان أليشع أسيراً بيد الجيش السوري، أما في السامرة فقد كان ذلك الجيش أسيراً بيد ملك إسرائيل. ولما دخلوا وسط السامرة قال النبي أليشع: »يا رب افتح أعين هؤلاء فيبصروا«. ففتح الرب أعينهم، فأبصروا، وإذا هم في وسط العاصمة الإسرائيلية. ووصلت الأخبار بسرعة إلى ملك إسرائيل، فجاء إلى النبي أليشع وسأله: »هل أضرب يا أبي؟«. فأجابه: »لا تضرب. إن الذين لك الحق في ضربهم هم الذين سبيتَهم بسيفك وبقوسك«. ثم قال له: »ضع خبزاً أمامهم فيأكلوا ويشربوا، ثم يعودوا إلى ملكهم«. فأَوْلَمَ ملك إسرائيل وليمة عظيمة للجيش السوري، فأكلوا وشربوا، ثم أطلقهم فعادوا إلى ملكهم.

في هذه المعاملة التي طالب أليشع ملك إسرائيل أن يعامل بها أعداءه نرى المحبة العجيبة التي تغفر للأعداء. وكانت النتيجة أن امتنع الجيش السوري عن مهاجمة أرض إسرائيل لمدة من الزمن.

من هذه القصة نتعلَّم درسين:

إن ملائكة الله تعتني بأولاد الله. عندما خرج بنو إسرائيل من مصر ندم فرعون أنه أطلقهم، فجمع جيشه وسار وراءهم. وكان ملاك الله يسير أمام بني إسرائيل. فلما اقترب المصريون منهم، انتقل ملاك الله الذي يسير أمامهم وابتدأ يسير وراءهم فدخل بين جنود المصريين وبين بني إسرائيل الضعفاء، فلم يقتربوا منهم الليل كله. لقد أرسل الله ملاكه وحمى أولاده الضعفاء من فرعون العاتي المتجبّر (خروج 14:19 و20).

وعندما كان دانيال النبي ملقَى في جب الأسود أرسل الله ملاكه فسدَّ أفواه الأسود، فلم تقترب منه الليل كله، فتحقق قول المرنم: »لِأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِكَ« (مزمور 91:11).

درس الغفران. لقد جاء الجيش السوري ليلقي القبض على النبي أليشع، فأولم لهم وليمة عظيمة. وهذا يذكّرنا بالسؤال الذي قدمه الرسول بطرس للسيد المسيح: »كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟« قَالَ لَهُ يَسُوعُ: »لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ« (متى 18:21 و22). وعلّمنا المسيح: »إِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ« (متى 18:15-17). وقد علّمنا المسيح أيضاً أن نصلي قائلين: »وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا« (متى 6:12).

  • عدد الزيارات: 1092
أضف تعليق