الأنبياء

أحداث في صحراء سيناء

حدثت معجزة أخرى أجراها الله على يد كليمه موسى، لينقذ شعبه بني إسرائيل. فقد أقبلت جماعة من قبيلة عماليق، وهم من نسل عيسو، لكي يحاربوا بني إسرائيل (خروج 17:8 - 16). كانت تلك القبيلة وحشية فظة، تحب القتال، فهل كان يمكن أن يتركوا هذا الشعب الجديد يتطفل على مراعيهم ويهدد حصونهم التي ثبتت أمام غارات مصر؟ إن هذا مستحيل. لقد كانوا قبيلة قوية يخبرنا المؤرخ يوسيفوس عنها أنها جمعت في ذلك المكان كل قوات الصحراء من البتراء إلى البحر الأبيض المتوسط. فضرب عماليق مؤخرة الإسرائيليين - أي كل المستضعفين - عندما أعيوا من التعب.

وكان لا بد لموسى أن يواجه هذا الموقف الحرج، فانقبضت نفسه من شدة وطأة الحرب. وكان قد بلغ الحادية والثمانين من العمر، فأوكل قيادة الجيش إلى تلميذه يشوع، الذي نلتقي به على صفحة التوراة هنا لأول مرة. أما موسى فقد صعد إلى رأس التلة، والعصا المقدسة في يده. وإذ تطلع موسى إلى ساحة الحرب، وقد أقبل أولئك العماليقيون العمالقة ليبيدوا بني إسرائيل المستضعفين، بسط موسى يديه إلى الله في الصلاة، فانتصر بنو إسرائيل على العدو بالصلاة والدعاء، التي كانت اليدان المبسوطتان إلى الله ترمزان إليها. فكان إذا رفع موسى يديه أن بني إسرائيل ينتصرون، وإذا خفض يديه كانت قبيلة عماليق تغلب. فلما صارت يدا موسى ثقيلتين، أخذ حجراً وجلس عليه، ووقف هارون عن يمينه يدعِّم يده اليمنى، ووقف شخصٌ آخر اسمه »حور« ليرفع يد موسى من الجانب الأيسر. فظلَّت يدا موسى ثابتتَيْن إلى غروب الشمس، فهزم يشوعُ وجيشه الضعيف الصغير العمالقة الأقوياء المتمرِّسين في الحرب.

أيها القارئ الكريم، هذه معركة من نوع فريد، لم تشترك فيها الأسلحة الفتاكة ولا القوة الحربية، لكن المؤازرة الإلهية. وهي تعلّمنا أن الصلاة وحدها يمكن أن تربح المعارك. فكلما كان الإنسان قريباً إلى الله انتصر على أعدائه يقول الكتاب: »إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضاً يُسَالِمُونَهُ« (أمثال 16:7).

لقد قضى موسى أربعين سنة في مصر يظن أن كَسْب المعارك لا يكون إلا بالحروب، ولكن ها هو يتعلم أنه يستطيع أن يكسب الانتصار بالصلاة، وبالصلاة وحدها. ونستطيع أن نرى هارون وحور يساعدان موسى، وهذا يعلِّمنا أنه إن لم نكن من القادة، فإننا يمكن أن نساعد القادة بأن نشدِّد أيديهم بالصلاة، وأن نسندهم بالتشجيع. لنملأ حياتنا بالدعاء إلى الله، لنحصل بالإيمان على الانتصار لنفوسنا، وللآخرين. إن صعدنا على جبل الشركة مع الله، باسطين أيدينا ثابتة في الصلاة، نلنا بركات عظيمة وخلاصاً لأحبائنا.

أيها القارئ الكريم، إننا ندعوك أن ترفع صلاتك دوماً إلى الله لكي يحطم الفخ المنصوب لك، فتقول: »لَوْلَا الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا عِنْدَ مَا قَامَ النَّاسُ عَلَيْنَا، إِذاً لَابْتَلَعُونَا أَحْيَاءً عِنْدَ احْتِمَاءِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنَا، إِذاً لَجَرَفَتْنَا الْمِيَاهُ، لَعَبَرَ السَّيْلُ عَلَى أَنْفُسِنَا. إِذاً لَعَبَرَتْ عَلَى أَنْفُسِنَا الْمِيَاهُ الطَّامِيَةُ. مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْنَا فَرِيسَةً لِأَسْنَانِهِمْ. انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا. عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ« (مزمور 124).

إن قصة انتصار بني إسرائيل على عماليق في رفيديم يمكن أن تتكرر عندما يهاجمك إبليس ليحطمك. لقد طلب الرب من موسى أن يكتب هذا الكلام تذكاراً في التوراة، فبنى موسى مذبحاً دعا اسمه »يهوه نِسِّي« بمعنى الرب رايتي. نعم، عَلَمُهُ فوقي محبة (نشيد 2:4). اجعل محبة الله تحوطك دائماً في كل خطوة من خطوات حياتك، فتنال النصر الأكيد - الرب رايتي - الرب عَلَمي.

يثرون يُحضِر لموسى عائلته:

بلغت أخبار الانتصارات المتتالية إلى يثرون حمي موسى الذي كان يسكن أرض مديان، فقرر أن يأتي لزيارة موسى، ومعه ابنته صفورة زوجة موسى، وابني موسى: جرشوم وأليعازر (خروج 18).

وكان موسى قد أطلق على ابنه البكر اسم جرشوم، الذي معناه غريب لأن موسى قال: كنت نزيلاً في أرض غريبة. أما الابن الآخر أليعازر فمعنى اسمه »الله عون« لأن موسى قال إن إله أبيه كان عونه، وأنقذه من سيف فرعون. وهذان الاسمان اللذان اختارهما موسى لولديه يعلّماننا درساً في أن الإنسان منا غريب، ولكن الله عونه، ينقذه ويعينه في غربته.

أغلب الظن أن موسى لم يكن قد اصطحب زوجته وولديه معه إلى مصر، حرصاً على سلامتهم، فتركهم عند حميه يثرون. وقد أخذ يثرون زوجة موسى وولديه ليلتقوا به، مقدِّماً أروع مثل للآب الفاضل، الذي يعمل مجتهداً ليقيم صرح الحياة الزوجية لابنته. وأرسل يثرون رسولاً إلى موسى ينبئه أنه قادم مع زوجته وولديه. فقابل موسى هذا الأمر بتقدير كبير، ورحَّب بحميه ترحيباً مقترناً بالإكرام، إذ سجد له إلى الأرض. وهكذا قدم يثرون درساً للآباء والأمهات يجدر بهم أن يتذكروه دائماً. كما أن موسى قدم درساً للأزواج يجدر بهم أن يطبقوه على حياتهم.

وبدأ موسى يحكي لحميه كل ما صنع الرب بفرعون والمصريين، وكل المشقة التي أصابت بني إسرائيل في الطريق، وكيف خلصهم الله منها. ففرح يثرون بجميع الخير الذي صنعه الله إلى بني إسرائيل، وقال يثرون: »مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَكُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ وَمِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ. اَلَّذِي أَنْقَذَ الشَّعْبَ مِنْ تَحْتِ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ. الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ الْآلِهَةِ، لِأَنَّهُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَغُوا بِهِ كَانَ عَلَيْهِمْ« (خروج 18:10-11). وقدم يثرون محرقة وذبائح لله. وجاء هارون وجميع شيوخ بني إسرائيل ليأكلوا طعاماً.

  • Hits: 1707
أضف تعليق