الأنبياء

زواج إسحق

كان الأب في زمن إبراهيم يهتم كل الاهتمام بتربية ابنه، وكان الواجب الأخير على الأب أن يزوِّج ابنه. وقد أراد إبراهيم أن يقوم بالواجب الأخير من نحو ابنه إسحق، فدعا وكيل بيته وطلب منه أن يبحث عن زوجة لإسحق الذي كان قد بلغ الأربعين من العمر، وقد تأخر زواجه لأنه لم تكن هناك زوجة تناسبه في بنات حث، حيث كان يسكن. نعم كانت هناك بنات جميلات، لكن الجمال الذي يطلبه إسحق وأبوه إبراهيم لم يكن جمال الجسد، بل جمال النفس في عبادة اللّه. قال إمام الحكماء سليمان "اَلْحُسْنُ غِشٌّ وَالْجَمَالُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ" (أمثال 31:30).

كان إبراهيم قد تزوج من هاجر وتعب، ولم يكن يريد أن يتعب ابنه إسحق إن تزوج بامرأة غريبة عليه. ونقرأ قصة اختيار زوجة إسحق في الأصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين فنعرف كيف فكر إبراهيم في زواج ابنه. كان إبراهيم يقضي أيامه الأخيرة في شركة مع اللّه يتمتع ببركاته، فتقول التوراة عنه: "شاخ إبراهيم وتقدم في الأيام. وبارك الرب إبراهيم في كل شيء". ما أجمل هذا التعبير "باركه الرب في كل شيء". فإن "بَرَكَةَ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلَا يَزِيدُ الرَّبُّ مَعَهَا تَعَباً" (أمثال 10:22).

وكان إبراهيم يقضي أيامه الأخيرة في طاعة إرادة اللّه، ولذلك طلب من وكيله طلبَيْن: طلب أن لا تكون زوجة إسحق من بنات كنعان، حيث كان يسكن، لأنه كان يريد أن يحفظ إيمان ابنه الذي قبله من اللّه. وهو يخشى أن يعبد إسحق الأصنام لو تزوج واحدة من بنات كنعان. ثم طلب منه أن لا يرجع أبداً بإسحق إلى الأرض التي خرج إبراهيم منها، لأنه يريده أن يبقى في أرض الموعد. قال إبراهيم لوكيله: "احْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَرْجِعَ بِابْنِي إِلَى هُنَاكَ. اَلرَّبُّ إِلهُ السَّمَاءِ الَّذِي أَخَذَنِي مِنْ بَيْتِ أَبِي وَمِنْ أَرْضِ مِيلَادِي، وَالَّذِي كَلَّمَنِي وَالَّذِي أَقْسَمَ لِي قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الْأَرْضَ، هُوَ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ أَمَامَكَ، فَتَأْخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ هُنَاكَ. وَإِنْ لَمْ تَشَإِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَكَ، تَبَرَّأْتَ مِنْ حَلْفِي هذَا. أَمَّا ابْنِي فَلَا تَرْجِعْ بِهِ إِلَى هُنَاكَ" (تكوين 24:6 - 8).

كان إبراهيم يقضي أيامه الأخيرة في ثقة بمعروف اللّه من نحوه. إنه يعرف أن اللّه الذي كان معه في الماضي وباركه، سيكون معه في المستقبل أيضاً، وسيكون مع ابنه إسحق. إن اللّه هو الإِله الدائم الوجود مع أولاده، لا يتركهم أبداً.

سمع وكيل إبراهيم طلباته وسأل: "رُبَّمَا لَا تَشَاءُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَنِي إِلَى هذِهِ الْأَرْضِ. هَلْ أَرْجِعُ بِابْنِكَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا؟" (تكوين 24:5). إنه يريد أن يكون تصرفه سليماً، وهو يعلم أنه من الصعب أن تترك الفتاة بلادها وتحضر إلى بلاد بعيدة غريبة عليها. لكن إبراهيم كان واثقاً تمام الثقة في إلهه، فقال إن اللّه سيرسل ملاكه ليدبر. لقد اختبر إبراهيم اللّه الذي يدبر ويرى، وكانت حياة إبراهيم سلسلة متصلة من تدبير اللّه ومحبته وصلاحه. وهذا الإِله الصالح هو الإِله السرمدي الذي لا يتغير أبداً، والذي يستمر بأمانته مع إبراهيم. على أن إبراهيم في لطف قال لوكيله إنه إذا لم تشأ المرأة أن تتبعه، فإنه يكون بريئاً من العهد الذي تعهد به لإِبراهيم.

الوكيل المؤمن يتصرف:

كان وكيل إبراهيم مؤمناً كإبراهيم، فأدرك أن اللّه سيرسل ملاكه ليدبر زوجة لإسحق. فسار إلى أرام النهرين إلى مدينة أهل إبراهيم، وأخذ معه هدايا كثيرة. وعندما وصل إلى هناك رفع صلاة إلى اللّه، طالباً منه أن ييسِّر له عمله، وأن يصنع لطفاً إلى إبراهيم. ثم وضع أمام اللّه علامة، وقال: "فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ الَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لِأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضاً، هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ. وَبِهَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ لُطْفاً إِلَى سَيِّدِي" (تكوين 24:14). لاحظ أن وكيل إبراهيم لم يضع أي علامة بدون تفكير، لم يقل مثلاً: الفتاة التي تحضر وهي ترتدي رداء أحمر!! ولكنه وضع علامة تُظهر له صفات الفتاة وتبيّن شخصيتها. يقول: "التي أقول لها أميلي جرتك لأشرب، فتقول اشرب وأنا أسقي جمالك أيضاً، هي التي عينتها لعبدك إسحق". لو سقته وسقت جماله فإن هذا يعني أنها خدومة، مضحية، لطيفة، مضيافة، وتصلح زوجة لإسحق. وحال الانتهاء من الصلاة جاءت فتاة حسنة المظهر، وعندما طلب منها أن يشرب، سقته وطلبت أن تسقي جماله أيضاً. وشرب الرجال وشربت الجمال. وتقول التوراة إنه وقف يتفرس فيها صامتاً ليعلم هل أنجح الرب طريقه؟ وأخذ الرجل خزامة من ذهب وسوارين وأعطاها للفتاة، وسألها من هي؟ وكم شكر اللّه عندما سمع أنها ابنة عم إسحق. وسجد سجود شكر للّه. لقد سمع اللّه صلاته، وصنع لطفاً لإِبراهيم، ودبر تدبيراً صالحاً لإسحق.

نلاحظ هنا صلاة طلب، ثم صلاة شكر. نحتاج فنطلب من إلهنا أن يدبر ويعيّن لنا الصالح والنافع، ولكننا يجب أن نشكر حالما يدبر لنا ما طلبناه.

وبعد أن رفع وكيل إبراهيم صلاة شكر، دعته الفتاة أن يذهب معها إلى بيتها. وأسرعت تحكي لهم في البيت عن الضيف الغريب. وسمع أخوها لابان القصة، فأسرع خارجاً يطلب من الضيف أن يأتي معه إلى بيته. وفي البيت رفض الرجل أن يأكل حتى يحكي عن الموضوع الذي جاء من أجله. حكى كل حكايته عن طلب سيده إبراهيم، وعن صلاته عند البئر، وعن رفقة التي سقته وسقت الجمال أيضاً. وفي حديثه تكلم عن نفسه بتواضع، ثم تكلم عن إبراهيم بمحبة وفخر. وفي نهاية حديثه قدم لأهل رفقة فرصة الاختيار، وهو يقول: "وَالْآنَ إِنْ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعْرُوفاً وَأَمَانَةً إِلَى سَيِّدِي فَأَخْبِرُونِي، وَإِلَّا فَأَخْبِرُونِي لِأَنْصَرِفَ يَمِيناً أَوْ شِمَالاً". فَأَجَابَ لَابَانُ وَبَتُوئِيلُ: "مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ خَرَجَ الْأَمْرُ. لَا نَقْدِرُ أَنْ نُكَلِّمَكَ بِشَرٍّ أَوْ خَيْرٍ. هُوَذَا رِفْقَةُ قُدَّامَكَ. خُذْهَا وَاذْهَبْ. فَلْتَكُنْ زَوْجَةً لِابْنِ سَيِّدِكَ كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ" (تكوين 24:49-51). ومرة ثالثة صلى وكيل إبراهيم صلاة شكر للّه. ثم أعطى هدايا لأهل رفقة. ووافقت رفقة على السفر فوراً إلى إسحق.

لماذا وافقت رفقة على السفر؟

يمكن أن نرى الأسباب التي دفعت رفقة على أن تقبل السفر إلى بلاد بعيدة لتتزوج ابن عمها الذي لم تره من قبل. لقد رأت يد الرب التي رتبت الموضوع كله، وعلمت أنه من عند الرب خرج الأمر. وما دام اللّه قد رتب كل شيء فإنها تقبل الترتيب الإِلهي. ثم كانت الهدايا التي قدمها وكيل إبراهيم سبباً جذبها إلى إسحق. إنها تتزوج من رجل قادر أن يدبر احتياجاتها كلها. وكانت أخبار عمها إبراهيم وابن عمها إسحق، من زمان، قصة جميلة سمعتها بشوق، وها قد جاء الوقت الذي تذهب فيه لترى إبراهيم وإسحق بنفسها.

وسارت القافلة حتى وصلت إلى أرض كنعان، وهناك كان إسحق يتأمل في الحقل... كان يصلي ويتأمل. لعله كان يفكر في أن يدبر اللّه له الزوجة الصالحة. وما إن رأته رفقة حتى نزلت من على الجمل، ووضعت البرقع على وجهها علامة الاحترام، وأخذها إسحق إلى خباء سارة أمه وأحبها وتعزى بها بعد موت أمه.

من هذه القصة الجميلة نتعلم شروط الزواج السعيد:

قال أحد الحكماء: إذا أردت أن تسافر برّاً فكِّر مرة، وإذا أردت أن تسافر بحراً فكِّر مرتين. وإذا أردت أن تسافر جواً فكِّر ثلاث مرات. أما إن أردت أن تتزوج ففكر سبع مرات.

ويوجد مثل إيراني يقول: "إذا ذهبت لسفر فادْعُ اللّه مرة، وإن ذهبت لحرب فادْعُ اللّه مرتين، أما إذا أردت الزوجة، فادع اللّه ثلاث مرات".

ويحسن بالخطيب الذي يختار خطيبته، أو الخطيبة التي تختار خطيبها، أن يضعا الأمور الآتية قبل اختيارهما، لتجعلهما أن يفكرا في خطورة الأمر:

إن الشريك الآخر سيكون زميلنا طول العمر: إن بصحة جيدة أو مرض، بأخلاق فاضلة أو بأخلاق رديئة، إن بعلم أو بجهل.

إن الشريك الآخر سيكون أماً أو أباً لأولادنا، وهم أعز من لنا في هذه الحياة، سيكونون المدرسة الأولى لتربيتهم، فإما أن يُخرجوا منها أفضل ما يكون من الأولاد - إذا كان اختيارنا هو الأفضل، أو شيئاً رديئاً مماثلاً لاختيارنا الرديء.

إن الظواهر قد لا تكون مثل البواطن، فعلينا أن نحذر الاندفاع العاطفي، أو مجرد اقتراح أحد الناس، ولو كان أعز الناس عندنا، بدون فحص أو تمحيص في أمر هو أخطر شأن من شؤون الحياة.

إن هذا الاختيار سيقرر مصيرنا في المجتمع إلى أبعد الحدود، وهو إما أن يكون دافعاً إلى السعادة والنجاح أو إلى الشقاء والفشل.

سيكون لهذا الاختيار مساهمة في تقرير مصيرنا الأبدي، بما سيطبعه فينا من أخلاق، بتفاعلنا مع الشريك الآخر، فلنعلم يقيناً أن اختيارنا للشريك الآخر هو أعظم اختيار بعد اختيار تسليم حياتنا للّه.

سئل أحد خدام اللّه: هل كل زواج من اللّه؟ فأجاب: كلا، بل يوجد زواج من الشيطان، يتمم به مآربه، كزواج أخآب بإيزابل. ويوجد زواج من البشر بتدخُّل الجسد والتسرُّع كزواج إبراهيم بهاجر، مما سبَّب له ولسارة نفسها متاعب. وزواج من اللّه رأساً، كزواج إسحق برفقة. لذلك يجب أن نحترس لئلا نسقط في نوع الزواج الأول أو الثاني.. بل يكون زواجنا كالنوع الثالث بترتيب اللّه وبإرشاده.

يجب أن يكون الزوج والزوجة مؤمنَيْن، لأن الإِنجيل يقول: "لَا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" (2 كورنثوس 6:14). لا نقول إن الزوجة المؤمنة دائماً تربح الشخص البعيد عن اللّه، فالأغلب أن غير المؤمن يؤثر على المؤمن ويعطل إيمانه. ثم يجب أن تكون الزوجة نظير الزوج - معيناً نظيره - متناسبة معه. ثم يجب أن يكون الزواج ثمرة الصلاة.. اللّه يدبر، كما قال سليمان الحكيم: "اَلْبَيْتُ وَالثَّرْوَةُ مِيرَاثٌ مِنَ الْآبَاءِ، أَمَّا الزَّوْجَةُ الْمُتَعَقِّلَةُ فَمِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (أمثال 19:14).

قد نسأل: كيف تزوج إسحق رفقة دون أن يراها؟ وهل نسمح لأولادنا أن يتزوجوا دون أن يروا شريك الحياة؟ والجواب هو: إن الزمان تغير منذ أيام إسحق. ينبغي أن يعرف الشاب خطيبته قبل أن يتزوج بها. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • عدد الزيارات: 8959
أضف تعليق