الأنبياء

اللّه يمتحن إبراهيم

في ما درسناه من حياة إبراهيم حتى الآن، رأينا اللّه قد ظهر لإِبراهيم ست مرات..

في المرة الأولى دعاه أن يخرج من بلاده ويذهب إلى أرض لا يعرفها، وكانت تلك دعوة ليترك أرض الشر. وسمع إبراهيم دعوة اللّه، وخرج من البلاد التي تعبد الوثن ليذهب إلى بلد يعبد اللّه فيها.

المرة الثانية التي ظهر اللّه فيها لإِبراهيم، وعده أن يعطيه الأرض الجديدة التي ذهب إليها. في ذلك المكان بنى إبراهيم مذبحاً للرب. وأطلق اللّه عليه لقب "خليل اللّه" الذي يعبد اللّه ويفكر فيه.

في المرة الثالثة ظهر اللّه لإِبراهيم ووعده أن يعطيه ابناً. لقد صبر إبراهيم صبر الإِيمان وهو ينتظر تحقيق ذلك الوعد.

وفي المرة الرابعة وقعت على إبراهيم ظلمة شديدة، وأعلن اللّه له أن نسله سيذهب إلى أرض غريبة، يستعبدونهم فيها ويسومونهم سوء العذاب. في هذه المرة الرابعة أدرك إبراهيم أن له الرجاء العظيم في الرب، فإن نسله سيخرج من أرض العذاب، واللّه لا بد أن يطلق أولاده من متاعبهم.

أما المرة الخامسة فقد ظهر اللّه لإِبراهيم على أنه "اللّه القدير". لقد أدرك إبراهيم في المرة الخامسة قوة اللّه الخفية التي ستعطيه النسل، بالرغم من أن عمره بلغ مئة سنة. فلا يصعب على اللّه القدير شيء. كل شيء مستطاع عنده.

وفي المرة السادسة ظهر اللّه لإِبراهيم ليقول له إنه ديان كل الأرض الذي يصنع العدل. وتعلم إبراهيم عن عدالة اللّه.

ولنتأمل الآن الظهور السابع الذي ظهره الرب لإِبراهيم خليله، والسبعة علامة الكمال. لم يكن هناك وعد بالبركة. ولم تكن هناك رؤية مشجعة، ولم يدخل اللّه مع إبراهيم في عهد جديد، ولم يجلس ليتحدث معه، ولم يعط اللّه لإِبراهيم نوراً يضيء المستقبل أمامه. كان كل ما أعطاه في الظهور السابع أمراً غريباً للغاية لا يكاد يُصدق. فقد قال له: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ" (تكوين 22:2). يا للغرابة!! أمر بدون تشجيع ولا وعد ولا عهد، امتحن اللّه إبراهيم، وما أصعب الامتحان!

كان كل شيء حول إبراهيم يُظهِر السلام والنجاح. كان قد عاش خمساً وعشرين سنة في أرض الموعد، يحيا في سلام مع جيرانه. كان ناجحاً وغنياً. كان إسحق ينمو ويكبر في صحة، وكان إبراهيم يختبر اللّه السرمدي الذي لا يتغير، وقد استراح من جهة ولادة ابن الموعد: إسحق. لكن ها هو الابن الوحيد المحبوب الذي سيرث الأرض، يضيع! لكن هل قلت يا عزيزي القارئ إن إسحق يضيع؟ لا! إن مواعيد اللّه لا يمكن أن تضيع. إن اللّه لا يريد أن يموت إسحق، لكنه يريد أن يمتحن إخلاص إبراهيم الذي وصل إلى أعلى درجات الصداقة مع اللّه، وكان مؤهَّلاً أن يدخل امتحاناً يظهر فيه مدى حبه وطاعته وثقته في اللّه. ونحن نعلم أن التلميذ يدخل المدرسة، ويتعلم طول السنة، لكن الامتحان لا يكون إلا آخر السنة، بعد أن يكون قد قرأ ودرس وجاهد، وبعد أن يكون معلمه قد تعب معه. وامتحان اللّه يختلف عن أي امتحان آخر، فالعالم والشيطان يمتحناننا ليجعلانا نسقط في الشر، والناس يمتحنوننا ليظهروا العيوب والضعفات التي فينا، لكن اللّه يمتحن المؤمن ليظهر الخير الذي فيه. وليعطيه المزيد من النجاح، ويعلمه دروساً عنه.

إمتحان صعب:

سمع إبراهيم سؤال اللّه في الامتحان. كانت كل كلمة من السؤال مثل السيف القاسي القاتل: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً". الابن الوحيد يقتله بيده.. كيف هذا؟!! الرجل العجوز الذي أشرف على الموت يقتل الشاب القوي الصاعد إلى الحياة! هل يقتل الذي قَبِل فيه المواعيد؟ وماذا تقول سارة عن ابنها؟ وماذا يفعل إبراهيم لو قاوم إسحق أباه العجوز؟ وماذا يقول إسحق عن أبيه؟ وماذا يقول عن إله أبيه الذي يطلب القتل؟ ثم كيف تكون حياة إبراهيم بعد موت إسحق؟ ليت إسحق يموت ميتة عادية في حضن أمه، لكنه سيموت مذبوحاً، واليد التي تذبحه هي يد أبيه.

لا شك أن إبراهيم ارتعد أمام هذه الأفكار. لا بد أنه فكر فيها جميعاً، وكان يقدر أن يتعلّل بأسباب يتهرّبَ بها من ذبح ابنه. كان يمكن أن يقول لسارة إنه سيذبح ولدهما، فتمنعه من ذلك، لكنه في النهاية صمم على أن يطيع. كان متأكداً أن الصوت الذي سمعه هو صوت اللّه الذي سمعه وعرفه من قبل. كان يعلم أن اللّه أمين، ولا بد أنّه سيحقق المواعيد السابقة. وحتى لو مات إسحق فإن اللّه لا بد أن يقيمه من بين الأموات. وفي هذا يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "بِالْإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ - قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ". إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى الْإِقَامَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ" (عبرانيين 11:17 - 19). كان إبراهيم قد سمع المواعيد من اللّه عن هذا الابن، وعرف أنها لم تتم، وكان يعلم أنها لا بد أن تتم، فوثق في قوة اللّه، ووافق على أمر اللّه، وفعل ما قاله نبي اللّه داود: "أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ" (مزمور 119:60).

اللّه يفتدي إسحق:

في الصباح قام إبراهيم بدون تأخير، وجهز كل شيء للذبيحة: جهز الركائب، وأخذ اثنين من الخدم معه وإسحق ابنه، وعمل حسابه على الحطب والنار والسكين، فقد خاف أن لا يجد ناراً ولا سكيناً ولا حطباً في الجبل. وسار إبراهيم باكراً في الصباح. وفي اليوم الثالث وصل إلى أرض المريا. ومعنى إسم المريا "الرب يجهز"، فقد كان الرب يجهز مفاجأة عظيمة لإِبراهيم. لا شك أن الشيطان جرب إبراهيم في هذه الأيام الثلاثة أعظم التجارب. في كل دقيقة كان يحاول أن يرجعه أو يغيّر فكره أو يعطل عزمه، لكن إبراهيم انتصر. وعندما اقترب من الجبل طلب إبراهيم من الخادمين أن ينتظراه، وقال لهما: "اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا... وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلَامُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَيْكُمَا" (تكوين 22:5). لقد كان إبراهيم يعلم أنه سيرجع مع ابنه بسلام. كان واثقاً أن الموعد لا بد أن يتحقق. وحمل إسحق الشاب القوي الحطب، وحمل إبراهيم في يده حجرَيْ صوان ليشعل النار، وحمل السكين، وسار مع إسحق ابنه. وسأل إسحق وهو يحمل الحطب: "يَا أَبِي... هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟" (آية 7). وفي إيمان وثقة قال إبراهيم: "اللّهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي"( آية 8). في هذا نرى ثقة إبراهيم في الرب الذي يدبر كل شيء، ومع التجربة يعطي منفذاً. بنى إبراهيم المذبح ورتب الحطب، وربط إسحق ووضعه على المذبح. كان يمكن أن يصرخ إسحق ويقاوم لأنه شاب قوي، لكنه سلم بخضوع كامل وبدون مقاومة. ورفع إبراهيم السكين ليذبح ابنه. وحالاً جاء صوت من السماء يعلن أن إبراهيم قد نجح. قال اللّه: "لَا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلَامِ وَلَا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً، لِأَنِّي الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللّهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" (تكوين 22:12). ولما رفع إبراهيم عينيه رأى تدبير اللّه. رأى كبشاً أمسكت غصون الأشجار بقرنيه في الغابة. إذاً حقق اللّه انتظار إبراهيم. لقد قال لإِسحق: "اللّهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي" (آية 8). رأى اللّه ودبر. وأصعد إبراهيم الكبش محرقة بدل ابنه، ودعا اسم ذلك المكان "يهوه يرأه" بمعنى الرب يرى أو الرب يدبر. الرب دبر في الوقت المناسب.

عزيزي القارئ، لقد افتُدي إسحق بذبح عظيم. وتتكلم المسيحية عن الفداء - فداء المسيح، الذبح العظيم - الذي بذل نفسه عن كل العالم. كما يقول الإِنجيل: "لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللّهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللّهُ كَفَّارَةً بِالْإِيمَانِ بِدَمِهِ، لِإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللّهِ. لِإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الّزَمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِيَسُوعَ" (رومية 3:22 - 26).

عزيزي القارئ، في المسيح الذي قدم نفسه كفارة من أجلنا ظهر لنا طريق اللّه للخلاص. اقبله أو ارفضه، لأنك حرٌّ في ما تختار، لكن اعلم أن مصيرك الأبدي يتوقَّف على اختيارك. فاختر الحياة لتحيا! 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • Hits: 4101
أضف تعليق