الأنبياء

ملاخي: الكل أو لا شيء

"1وَحْيُ كَلِمَةِ الرَّبِّ لإسرائيل عَنْ يَدِ مَلاَخِي: 2[أَحْبَبْتُكُمْ قَالَ الرَّبُّ]. وَقُلْتُمْ: [بِمَا أَحْبَبْتَنَا؟] أَلَيْسَ عِيسُو أَخاً لِيَعْقُوبَ يَقُولُ الرَّبُّ وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ 3وَأَبْغَضْتُ عِيسُووَجَعَلْتُ جِبَالَهُ خَرَاباً وَمِيرَاثَهُ لِذِئابِ الْبَرِّيَّةِ؟ 4لأَنَّ أَدُومَ قَالَ قَدْ: [هُدِمْنَا فَنَعُودُ وَنَبْنِي الْخِرَبَ]. هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: [هُمْ يَبْنُونَ وَأَنَا أَهْدِمُ. وَيَدْعُونَهُمْ تُخُومَ الشَّرِّ وَالشَّعْبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الرَّبُّ إلى الأَبَدِ. 5فَتَرَى أَعْيُنُكُمْ وَتَقُولُونَ لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ مِنْ عَُِنْدِ تُخُمِ إسرائيل. 6[الابن يُكْرِمُ أَبَاهُ وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فإن كُنْتُ أَنَا أَباً فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّداً فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟ قَالَ لَكُمْ رَبُّ الْجُنُودِ أيها الْكَهَنَةُ الْمُحْتَقِرُونَ اسمي. وَتَقُولُونَ: بِمَ احْتَقَرْنَا اسمكَ؟ 7تُقَرِّبُونَ خُبْزاً نَجِساً عَلَى مَذْبَحِي. وَتَقُولُونَ: بِمَ نَجَّسْنَاكَ؟ بِقَوْلِكُمْ أن مَائدةَ الرَّبِّ مُحْتَقَرَةٌ. 8وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْمَى ذَبِيحَةً أَفَلَيْسَ ذَلِكَ شَرّاً؟ وَإِنْ قَرَّبْتُمُ الأَعْرَجَ وَالسَّقِيمَ أَفَلَيْسَ ذَلِكَ شَرّاً؟ قَرِّبْهُ لِوَالِيكَ أَفَيَرْضَى عَلَيْكَ أو يَرْفَعُ وَجْهَكَ؟ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 9وَ الآن تَرَضُّوا وَجْهَ اللَّهِ فَيَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا. هَذِهِ كَانَتْ مِنْ يَدِكُمْ. هَلْ يَرْفَعُ وَجْهَكُمْ؟ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 10[مَنْ فِيكُمْ يُغْلِقُ الْبَابَ بَلْ لاَ تُوقِدُونَ عَلَى مَذْبَحِي مَجَّاناً؟ لَيْسَتْ لِي مَسَّرَةٌ بِكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ وَلاَ أَقْبَلُ تَقْدِمَةً مِنْ يَدِكُمْ. 11لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِهَا اسمي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسمي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ لأَنَّ اسمي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 12أَمَّا أَنْتُمْ فَمُنَجِّسُوهُ بِقَوْلِكُمْ: أن مَائدةَ الرَّبِّ تَنَجَّسَتْ وَثَمَرَتَهَا مُحْتَقَرٌ طَعَامُهَا. 13وَقُلْتُمْ: مَا هَذِهِ الْمَشَقَّةُ؟ وَتَأَفَّفْتُمْ عَلَيْهِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ وَجِئتمْ بِالْمُغْتَصَبِ وَالأَعْرَجِ وَالسَّقِيمِ فَأَتَيْتُمْ بِالتَّقْدِمَةِ. فَهَلْ أَقْبَلُهَا مِنْ يَدِكُمْ؟ قَالَ الرَّبُّ. 14وَمَلْعُونٌ الْمَاكِرُ الَّذِي يُوجَدُ فِي قَطِيعِهِ ذَكَرٌ وَيَنْذُرُ وَيَذْبَحُ لِلسَّيِّدِ عَائباً. لأَنِّي أَنَا مَلِكٌ عَظِيمٌ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ وَاسمي مَهِيبٌ بَيْنَ الأُمَمِ"

نبوة ملاخي – الفصل 1: 1و6-14

لا حاجة لنا بأن نبحث بصورة كبيرة لنصل إلى القول بأن موجة الإلحاد المعاصر قوية جدا في عالمنا وانها تنتشر بسرعة عظيمة بين الجيل الناشيء. وهناك العديدون من المفكرين المعاصرين الذين اخذوا يعلنون على الملأ تفضيلهم لنظرة المادية المنكرة لله على التراث الديني المبني على الإيمان بالله الخالق السرمدى.

طالعت منذ مدة في احدى المجلات ما يلي بخصوص كتاب فلسفي ظهر حديثا في بلد عربي. وها انا اقتبس فقرات من المقال عن الكتاب المذكور. كتب صاحب المقال قائلا"ما أنا هنا في معرض نقد الكتاب أوتقييمه أوتلخيص محتوياته. لكنني لا اجد بدا من أن اشير إلى الخط العام الذي يرسمه المؤلف، وسط عجيج التكرار وضجيجه. أولاً – هنالك فلسفتان فقط: المادية والمثالية. فالماديون يقولون بأسبقية المادة...والمثاليون يقولون بأسبقية الروح... أو الله. وبكلمة أخرى، المادية تزعم أن الكائن أولي والفكر ثانوى، والمثالية تزعم أن الفكر أولي والكائن ثانوى.

وبعد أن علق صاحب المقال على مواضيع هامة تطرق اليها في الكتاب المذكور كتب قائلا"وإذن، يجب... اختيار الفلسفة المادية لأنها... من الناحية النظرية، (في رأي المؤلف). – هي أصح، باعتبار ان"العقل ليس سوى نتاج الطبيعة الأعلى، خلال تطورها المتشابك والمعقد!

ان مؤلف الكتاب المذكور قد رأي فلسفتين متعارضتين في دنيانا لا أكثر ولا اقل. ومع اختياره الخاطيء للفلسفة المادية الملحدة، الا انه كان صريحا ومخلصاً لعقيدته الأساسية، واستنتاجاته العملية التي ملأت الكتاب كانت منطقية مع عقيدته الأساسية: المادية الإلحادية! رأي المؤلف وجهتي نظر في العالم، اختار الواحدة والتزم بها ورفض الأخرى رفضا تاما ونهائيا!

لكن الكثيرون من معاصرينا اليوم لا يختارون بهذه الطريقة وليسوا بصريحين ولا بمنطقيين في حياتهم، فانهم لا مع الله بصورة تامة ولا ضده بصورة تامة. قد يظنون بأنهم قد ضمنوا الدنيا والآخرة – فيما اذا كانت هناك آخرة حسب تفكيرهم المترجرج – باتخاذهم موقف اللا... لا مع الله ولا ضده!

يا ترى هل يعلم هؤلاء موقف الله منهم؟ هل يظنون أن الله صامت أو انه لا يتكلم؟

لقد تكلم الله عن هذا الموضوع منذ الاف من السنين بواسطة عبيده الأنبياء. انه تعالى لا يسر بموقف المتأرجحين وموقف المترجرجين. وقد اقتبسنا في مقدمة هذا الدرس من كلمات الله إلى احد انبيائه العائدين إلى الأرض المقدسة وكان اسمه ملاخي. وقد عاش هذا النبي حوالي 400 سنة قبل ميلاد المسيح يسوع. وكانت قد وجهت هذه الكلمات النبوية من الله إلى العائدين من بني إسرائيل في أيام قبل الميلاد.

كان بنو إسرائيل قد تعرضوا لسبي جماعي وأخذوا إلى بلاد ما بين النهرين. وعندما عادوا إلى فلسطين تحت قيادة كل من عزرا ونحميا كانوا قد شفوا من داء عبادة الأصنام الظاهرية. ولكنهم كثيراً ما أظهروا عدم ولاء تام لله خالقهم ومحررهم ومنقذهم. ففي أيام النبي ملاخي وهو اخر نبي في أيام ما قبل الميلاد، كان العديدون من بني إسرائيل يعبدون الله عبادة سطحية خارجية قشرية! فاذ كانت العبادة المنصوص عليها في شريعة موسى كليم الله تتطلب تقديم ذبائح حيوانية فإن معاصري ملاخي قدموا ذبائح حيوانية غير لائقة بالله لأنها لم تكن ذبائح مقبولة بسبب العاهات الملمة بتلك الحيوانات. وإذ قدموا تقدمات كتلك لله أظهروا بأنهم لم يكونوا قد كرسوا انفسهم كليا لله بل اظهروا ولاء منقسما وعملوا حسب القاعدة التالية: لا مع الله ولا ضده بل بين بين!

وبخهم الله بواسطة عبده ونبيه ملاخي قائلا لهم: الابن يكرم اباه والعبد يكرم سيده، فإن كنت انا ابا فأين كرامتي وان كنت سيدا فأين هيبتي...؟ وان قربتم الأعمى ذبيحة أفليس ذلك شرا؟

عامل العديدون من معاصري ملاخي الله بطريقة متنافية مع جلاله وكرامته وعظمته. جلبوا لله تقدمات لا يقبلها إنسان ولسان حالهم: أن الله لابد له من أن يقبلها أو انه يقبل هكذا ذبائح لأنها تقدمات نجلبها من اموالنا ومن مقتياتنا ولابد له من أن يعذرنا أن لم نأت بأحسن ما لدينا، فهذه الأخيرة يمكن لنا أن نبيعها في السوق بمبالغ كبيرة....

طبعا، لم يكن الله بحاجة إلى ذبائحهم. لا يحتاج الله إلى أي شيء من أي إنسان. لا يحتاج الله إلى تقدمة أو الى ذبيحة لأنه تعالى هو الاله القدوس السرمدى. فلماذا نرى اذن انه طلب من موسى بأن يقدم الشعب ذبائح وتقدمات في مناسبات متعددة؟ لكي يتعلم الجميع بأن مغفرة الخطايا لا تتم الا بواسطة سفك دم. ولكن هل دم الثيران والتيوس قادر بأن يكفر عن ذنوبنا وأخطائنا نحن بني آدم؟ كلا! أن الدماء التي سالت من الذبائح في تلك الأيام انما كانت رمزية. لقد أشارت إلى دم حمل الله، دم يسوع المسيح المخلص الذي كان سيسفك على خشبة الصليب.

وهكذا عندما قدم الناس في أيام ملاخي النبي، عندما قدموا ذبائح غير مقبولة لدى الله كانوا يظهرون بذلك عدم اكتراثهم لما طلبه الله منهم: قلبا مكرسا له بصورة تامة! فقد كان الله قد لخص لهم الشريعة بأسرها في أيام موسى النبي بهذه الكلمات: اسمع يا إسرائيل: "اسمعْ يا إسرائيل: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. 5فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (سفر التثنية 6: 4و5).. من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. هل لاحظت التشديد على كلمة كل؟ لقد أعيدت ثلاث مرات وهي تشير إلى العلاقة الحيوية التي يجب أن توجد بين الخالق والمخلوق العاقل. يطب الله منا الكل، الكل أولاً شيء! لا يقبل الله النصف أو الربع انه يطلب الكل أولاً شيء! هذا لا يعني اننا نقدر أن نصبح في هذه الحياة كاملين وطاهرين بصورة تامة ومطلقة، هذا مستحيل! لكن ما يعنيه الله في كلمته المقدسة هو انه يجب علينا أن نضع نصب اعيننا موضوع عبادته وخدمته بصورة نقية وطاهرة. وعلينا أن نقول لأنفسنا ولا نكتفي بالحكم على من عاشوا قبل 2500 سنة.

يطلب الله منا أن نسير على طريقه المستقيم وان ننبذ عنا سائر الصنميات التي تغرينا. يطلب الله منا أن نختار: أن نختار اليوم بل وفي هذه الساعة، بل وفي هذه اللحظة أن نختار بينه وبين اصنام العصر الحاضر. فإن كان الذين اختاروا المادية الملحدة يكتبون بكل صراحة ويقولون: هناك فلسفتان فقط: المادية والمثالية.. ثم يختارون المادية ويحاولون بيعها في أسواق الفكر العالمية مدعين بأنها هي الصحيحة وانها هي التي ستقودنا إلى ميادين النجاح والفلاح. أن كان متعبدوا الصنميات المعاصرة لا يخجلون من صنميتهم بل يباهون بها ويقولون لنا هناك فلسفتان.. ثم يختارون واحدة منها ويكرسون كل شيء من أجلها... ألا يجدر بمن قالوا عن انفسهم انهم من المؤمنين بالله بأن يسيروا بخط مستقيم على طريق إيمانهم وينبذوا عن انفسهم كل ازدواجية وكل ولاء منقسم وكل تأرجح بين الله وبين الصنميات المعاصرة؟ ألا يعلم المؤمنون اليوم أن الله لا يرضى علينا أن أعرناه اهتماماً جزئيا؟ لا يقبل الله نصف محبتنا له؟ انه تعالى يرفضها اليوم كما رفض الحيوانات الغير نقية والتي كانت قد قدمت اليه في عصر ملاخي النبي!

ومضت الأيام والسنون بعد أيام ملاخي ووقع بنو إسرائيل تحت سيطرة السلوقيين والبطالسة والرومان ثم جاء المسيح وعلم الجموع وشفى المرضى وأقام الموتى... وذهب في النهاية ليموت على الصيب كحمل الله النقي الحامل خطايا العالم... وها اننا نعيش اليوم بعد نحو2999 سنة من أيامه له المجد وها اننا معرضون لنفس التجارب والخطايا التي وقع فيها معاصرو ملاخي النبي.

لا يكفينا أن نقول اننا نؤمن بأن المسيح جاء وعلم وشفى... هل نؤمن به كمن ذهب عنا إلى خشبة الصليب ومات كبديل عنا حاملا على جسده خطايانا وآثامنا ومعاصينا وشرورنا؟ وهل نعلم بأننا فيما اذا آمنا بالمسيح كمخلصنا وفادينا من الخطايا بأنه يتطلب منا بأن نحيا حياة سليمة هدفها مجد الله وخير الناس اجمعين؟ الإيمان بالمسيح يعني اننا نهب كل حياتنا بأسرها لله واننا ننبذ عنا كل نوع وكل لون من الصنمية مهما كانت ومن أي مصدر أتت. فالله الذي خلقنا والذي فدانا بدم المسيح الطاهر انما يطلب منا تكريسا كليا لحياتنا من أجل ذلك فانه لا يقبل أي انقسام في ولائنا. وهو يهبنا روحه القدوس ليمكننا من القيام بذلك. أهناك نبأ سار مثل هذا النبأ؟ ليساعدنا الله لنقبل جميعا إنجيله الخلاصي، آمين.

الإيمان الحياتي

"1هَئنذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيّئ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إلى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هو ذَا يَأْتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 2وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئه وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهورِهِ؟ لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ. 3فَيَجْلِسُ مُمَحِّصاً وَمُنَقِّيا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لأوي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِيَكُونُوا مُقَرِّبِينَ لِلرَّبِّ تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ. 4فَتَكُونُ تَقْدِمَةُ يَهوذَا وَأورُشَلِيمَ مَرْضِيَّةً لِلرَّبِّ كَمَا فِي أيام الْقِدَمِ وَكَمَا فِي السِّنِينَ الْقَدِيمَةِ. 5وَأَقْتَرِبُ إِلَيْكُمْ لِلْحُكْمِ وَأَكُونُ شَاهِداً سَرِيعاً عَلَى السَّحَرَةِ وَعَلَى الْفَاسِقِينَ وَعَلَى الْحَالِفِينَ زُوراً وَعَلَى السَّالِبِينَ أُجْرَةَ الأَجِيرِ: الأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَمَنْ يَصُدُّ الْغَرِيبَ وَلاَ يَخْشَانِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 6لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا. 7[مِنْ أيام آبَائكمْ حِدْتُمْ عَنْ فَرَائضي وَلَمْ تَحْفَظُوهَا. ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَقُلْتُمْ: بِماذا نَرْجِعُ؟ 8أَيَسْلُبُ الإنسان اللَّهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ. 9قَدْ لُعِنْتُمْ لَعْناً وَإِيَّايَ أَنْتُمْ سَالِبُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ كُلُّهَا. 10هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إلى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ وَجَرِّبُونِي بِهَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ أن كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوى السماواتِ وَأُفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ. 11وَأَنْتَهِرُ مِنْ أجلكُمْ الآكِلَ فَلاَ يُفْسِدُ لَكُمْ ثَمَرَ الأرض وَلاَ يُعْقَرُ لَكُمُ الْكَرْمُ فِي الْحَقْلِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 12وَيُطَوِّبُكُمْ كُلُّ الأُمَمِ لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ أرض مَسَرَّةٍ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 13[أَقْوَالُكُمُ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: ماذا قُلْنَا عَلَيْكَ؟ 14قُلْتُمْ: عِبَادَةُ اللَّهِ بَاطِلَةٌ وَمَا الْمَنْفَعَةُ مِنْ أَنَّنَا حَفِظْنَا شَعَائرهُ وَأَنَّنَا سَلَكْنَا بِالْحُزْنِ قُدَّامَ رَبِّ الْجُنُودِ؟ 15وَ الآن نَحْنُ مُطَوِّبُونَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَأيضاً فَاعِلُو الشَّرِّ يُبْنَوْنَ. بَلْ جَرَّبُوا اللَّهَ وَنَجُوا]. 16حِينَئذ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَالرَّبُّ أَصْغَى وَسَمِعَ وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسمهِ. 17وَيَكُونُونَ لِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإنسان عَلَى ابنهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ. 18فَتَعُودُونَ وَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَمَنْ لاَ يَعْبُدُهُ"

نبوة ملاخي – الفصل 3

بالرغم من وجود ضغط كبير لرفض الاعتقاد بالله الواحد الحقيقي صانع الكل وبارى العالمين، الا اننا لازلنا في مجتمعنا الشرقي ا العربي نعيش في مجتمع ديني بحت حيث يؤمن أكثرية اعضائه بالله الخالق.

وبهذه الكلمات لا نود التقليل من حدة الخطر الفكرى والعقائدى الذي نلمح اليه من أن لأخر أي خطر الصنمية المعاصرة التي طغت على الحياة الفكرية في سائر انحاء العالم، الا انه لابد لنا من الاقرار بواقع لا ينكر والنظر إلى حياتنا اليومية من وجهة نظر واقعية وموضوعية.

لكن مجرد اعتقاد عقلي أو نظرى لا يكفي الإنسان. لا يرضى الله الخالق بمن يقول عن نفسه انه مؤمن ولا يظهر إيمانه في حياة متجانسة مع معتقده. ونتعلم هذا الدرس بصورة خاصة في الفصل الثالث من نبوة ملاخي كما لاحظنا ذلك من قراءتنا للنص الكتابي في مقدمة هذا الدرس. فهذه كانت حالة العائدين من السبي البابلي. فقد كانوا قد اختبروا قوة الله في حياتهم عندما ساعدهم على الرجوع إلى البلاد المقدسة وعلى ترميم الهيكل المقدس وعلى بناء بيوتهم والحصول على سائر ضروريات الحياة اليومية، اختبروا كل ذلك ولكنهم سرعان ما نسوا نعمة الله وبركته ووقعوا في خطية السطحية ولم يعودوا يخافون الله. ومن جراء ذلك حدث طلاق بين معتقداتهم وبين الحياة اليومية التي عاشوها. ينظر الله إلى الحياة التي يحياها الإنسان وليس فقط إلى ما يتفوه به الإنسان في مناسبات خاصة. حياة العائدين من بني إسرائيل دلت – حسب كلمات النبي ملاخي – على عدم حيوية إيمانهم. حياتهم دلت على عقم إيمانهم.. ومن الناحية المبدئية يمكننا القول انهم لم يكونوا مؤمنين حقيقيين!

مثلا، لا يمكن للإيمان بالله القدير أن يتعايش تعايشا سلميا مع السحر والفسق والحلف بالزور والسلب والجور والظلم... لا يمكن للإيمان القويم بالله القدير أن يقبل المبدأ القائل بأن خدمة الله وعبادته باطلة.. الإيمان بالله لا يقبل قول البعض من معاصري ملاخي: كل من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وهو يسر بهم. أو اين اله العدل؟

من السهل جدا لنا أن نحكم على اناس عاشوا قبلنا منذ نحو2500 سنة! ولسنا بحاجة للحكم عليهم لأن الله قام بذلك بواسطة عبده ونبيه ملاخي وهو اخر نبي في أيام النظام القديم. المهم أن نفحص انفسنا على ضوء الكلمة النبوية. هل نحن اليوم أحسن من هؤلاء؟ هل تشير حياتنا إلى حيوية إيماننا؟ ام هل هناك طلاق فعلي بين معتقدنا وبين حياتنا اليومية؟

مثلا نقول اننا نؤمن بالله الواحد فقط ولكننا كثيراً ما نظهر في حياتنا اليومية بأننا نؤمن بقوى أخرى مسيطرة على الحياة ومنافسة لله العلي. أليس العديدون يؤمنون فعليا اليوم بالحظ والنصيب والسحر؟ وإذا ما وضعوا ثقتهم في هكذا قوى أو مبادىء أو امور خيالية أفلا يكون معتقدهم بالله الواحد معتقدا باطلا وغير سليم؟ كيف يتقبل الله من خائفية ومتعبديه قلوبا منقسمة في ولائها؟ نقول أن الله يحرم الفسق والدعارة ويأمر بالطهارة في الحياة الجنسية ويشدد على قداسة الحياة العائلية التي هي دعامة المجتمع الوطني السليم، نقول كل هذه الأمور ولكننا ماذا نرى في حياتنا اليوم؟ نرى الناس ينكبون على المحرمات ويتسارعون إلى مشاهدة الأفلام الخليعة التي لم تكن موجودة في أيام السينما الأولية. ما أكثر الذين ينبرون للمدافعة عنها تحت ستار حرية الرأي واهمية وصف الحضارة المعاصرة كما هي بشكل واقعي للغاية! ما الفائدة من الكلام عن الإيمان بالله أن كنا لا نعمل بما يأمر به الله؟! ما الفائدة من القول بأن الله يحرم المنكر والفحشاء وبقية الخطايا الجنسية الشنيعة أن كان الناس يتراكضون لمشاهدة الأفلام التي تحلل هكذا أمور محزنة ومخجلة! انني لا أتخيل هذه الأمور. انني الاحظها من مطالعتي للصحف اليومية والمجلات الاسبوعية فما اذكره في هذا الدرس انما هو مستقى من الواقع الأليم الذي نحياه نحن سكان القسم الأخير من القرن العشرين. وها هي بعض الإعلانات التي أستقيها من مجلة عربية اسبوعية وهي تعلق على بعض الأفلام الاجنبية التي يمكن مشاهدتها في صالات السينما لأسبوع معين ولن اذكر اسماء الأفلام بل فقط المواضيع التي تعالج في هذه الأفلام: فيلم معين يوصف بهذه الكلمات"كوميديا سوريالية لاذعة"فتاة يضطهدها مجتمع منافق... تثور ضده وتخلع اقنعته الكاذبة... (وهي). الرافضة لكل ما هو مقيد للحريات... فيلم آخر يوصف كما يلي"هواجس رجل وأمرا ة ضائعين في هذيان جنسي مريض" مواقف مفتعلة غبية واستغلال رخيص للجنس في حياة البشر وافراط في تهييج المتفرج السلبي بأدنى الوسائل. فتاتان معقدتان + شاب معقد + مخرج معقد + قصة معقدة = صفر.

فيلم آخر يوصف كما يلي"المشاكل الجنسية والغرامية لمجتمع بورجوازى يعيش في الملل والفراغ"

قلب إنسان اليوم المفاهيم وصار يكسر النواميس الإلهية المتعلقة بالحياة بصورة لم تعرف في الماضي. كيف نقول اننا نؤمن بالله أن كنا لا نعير وصاياه اقل اهتمام وننقاد وراء أنبياء آخر زمان، أنبياء التفسخ الأخلاقي والاضمحلال الروحي؟

لنذهب إلى قسم آخر من الحياة البشرية. يطلب الله الصدق من الناس. الصدق في كل شيء. الصدق لا الكذب. لكن ماذا نرى؟ نرى الناس يكذبون ويحاولون تغطية كذبهم بالحلف باسم الله العظيم! يطلب منا الله العدل والرحمة في العلاقات الاقتصادية والتجارية ولكن ماذا نرى؟ نرى الناس يعملون بمقتضى محبة الذات والنفعية وعدم الاهتمام بحاجات المساكين والأرامل واليتامى والمشردين. وكما حدث في أيام ملاخي النبي أن البعض من الناس انكروا حقيقة إيمانهم بالله عندما قالوا: من يفعل الشر فهوصالح في عيني الرب واين هو اله العدل. نرى أن العديدين اليوم مع قولهم انهم مؤمنون بالله، نراهم يتخذون فلسفة نسبية بخصوص الحياة والنواميس الاخلاقية التي يجب أن تسود هذه الحياة. ينظرون إلى كل مشاكل البشرية اليوم من وجهة نظر بشرية محضة ويحاولون ايجاد المنفذ بواسطة جهود الإنسان الخاصة.

لم يكن ملاخي منقذا لمجتمعه فقط ولم يذكر الخطايا العديدة التي ارتكبت في تلك الأيام والتي اظهرت أن مرتكبيها انكروا فعليا إيمانهم بالله الحي القدوس السرمدى بل نادى أيضاً بالخبر المفرح قائلا باسم الله"1هَئنذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّ). الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إلى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هو ذَا يَأْتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 2وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئه وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهورِهِ؟ لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ. 3فَيَجْلِسُ مُمَحِّصاً وَمُنَقِّيا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لأوي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِيَكُونُوا مُقَرِّبِينَ لِلرَّبِّ"

أشارت هذه الكلمات إلى أيام السيد المسيح، ولدى مجيئه له المجد كان قد ظهر أيضاً النبي يوحنا المعمدان. نعم تحققت هذه الكلمات بعد مرور 400 سنة من أيام ملاخي. جاء مسيح الله لإتمام اهم عمل جرى في تاريخ البشرية بعد الخليقة ألا وهو عمل الفداء، فداء الإنسان من الخطية ومن براثن ابليس. المسيح المخلص حمل على جسده خطايانا ومات كبديل عن جميع المؤمنين والمؤمناًت وقام من الأموات لكي يعطينا نحن المؤمنين باسمه المقدرة على العيش حسب المشيئة الإلهية. من آمن بالمسيح المخلص – مع انه لا يصبح كاملا في هذه الحياة – الا انه يبدأ فعليا بأن يحيا إيمانه في معترك الحياة اليومية. هذه تظهر صحة إيمانه وهو لذلك ينبذ عن نفسه سائر الصنميات المعاصرة ويبعد عن حياته التفسخ الأخلاقي الملم بعالم اليوم، وحياته وأسرها تضحي شهادة الإيمان بالله في جميع ميادين الحياة. لا مجال للازدواجية لا مجال للطلاق بين المعتقد والحياة، بل حياة إيمان وعمل وجهاًد في سبيل الله ومن أجل خير البشرية جمعاء، آمين.

كلمة الله الأخيرة في أيام النظام القديم

"1[فَهوذَا يَأْتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشّاً وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعاً. 2[وَلَكُمْ أيها الْمُتَّقُونَ اسمي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأونَ كَعُجُولِ الصِّيرَةِ. 3وَتَدُوسُونَ الأَشْرَارَ لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ رَمَاداً تَحْتَ بُطُونِ أَقْدَامِكُمْ يَوْمَ أَفْعَلُ هَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 4[اذكُرُوا شَرِيعَةَ مُوسَى عَبْدِي الَّتِي أمرتُهُ بِهَا فِي حُورِيبَ عَلَى كُلِّ إسرائيل. الْفَرَائضَ وَالأَحْكَامَ. 5[هَئنذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ 6فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الابناءِ وَقَلْبَ الابناءِ عَلَى آبَائهمْ. لِئلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأرض بِلَعْنٍ"

نبوة ملاخي – الفصل 4

اننا نعيش في أيام وكأن الله – بالنسبة للعديدين من البشر – لا يوجد أو انه لم يتكلم! كل ما نراه اليوم وكل ما نسمعه يرينا كيف أن الإنسان هو الكائن الوحيد والأوحد الذي يفكر ويتكلم!

لكنه مهما توغل الإنسان في تيهانه وفي ضياعه فانه من المستحيل نهائيا أن يتجاهل الله الخالق الذي يتكلم في كتابه المقدس والذي تكلم منذ القديم بواسطة الأنبياء والرسل. لا يزال الله يتكلم إلى هذا اليوم وإلى هذه الساعة: في دنياه وفي كونه اللذين يشيدان بأعماله العظيمة والجبارة (أعمال الخليقة والعناية الإلهية). وكذلك يتكلم الله وبصورة خاصة في كلمته المقدسة. كلا، لسنا في عالم صامت ولسنا نحن البشر الكائنات الوحيدة التي تفكر وتتكلم. قبل الإنسان كان الله، كان الله منذ الأزل. وكما ورد في فاتحة الإنجيل"فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ" (يوحنا 1: 1)..

وبما أن الله قد تكلم ولا يزال يتكلم فإن الإنسان يبقى بدون عذر. نعم يا إنسان القرن العشرين، أيها المخلوق المتعجرف انت الذي غزوت الفضاء الخارجي وذهبت إلى القمر وعدت منه سالما، انت الذي غصت إلى اعماق البحار ولم تعد أية بقعة من الأرض مجهولة بالنسبة اليك، يا إنسان الربع الأخير من القرن العشرين: انت لا تستطيع الهرب من الله خالقك. مهما حاولت وجاهدت وعملت فانك لن تقدر أن تهرب من الله لأنك حتى عندما تنكر وجوده فانك تحاربه وتضطهد المؤمنين به – فإن لم يكن الله موجودا فلماذا تحاربه؟

تكلم الله منذ القديم وبواسطة عبيده الأنبياء. وقد درسنا رسالات هؤلاء الأنبياء ونبحث الآن في الفصل الأخير من نبوة ملاخي النبي. ومن قراءتنا لهذا الفصل في مقدمة هذا الدرس نستنتج النقاط التالية:

1. حتمية مجيء دينونة الله على الأشرار: كان البعض من معاصري النبي ملاخي قد أنكروا حكم وسياسة الله لأمور وشؤون هذه الدنيا وقالوا: كل من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وهو يسر بهم. وكذلك قال البعض: أين اله العدل؟ وآخرون قالوا: عبادة الله باطلة وما المنفعة من اننا حفظنا شعائره واننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود؟ ومع اختلاف نص هكذا اقوال إلا انها دلت على أن الذين تفوهوا بها انما كانوا قد انكروا كون الله المسيطر على دنيانا هذه وكأنه تعالى اسمه قد تنازل عن سلطانه وانه لم يكن على عرشه. لكن كلمات الله الأخيرة المرسلة بواسطة ملاخي النبي لبني إسرائيل كانت""[فَهوذَا يَأْتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ" وهذه الكلمات انما تدل على أن فاعلي الشر سيعاقبون وان يوم الرب آت لا محالة وانه لا هرب من دينونة الله – وان ظهرت هذه وكأنها متأخرة في قدومها. فإن كان الله سيأتي بدينونته وبمقتضى عدله لدينونة الأشرار الذين لا يؤمنون والذين لا يتوبون ولا يرجعون عن غيهم وضلالهم – فانه لا يليق مطلقا بمن يقولون عن أنفسهم من المؤمنين أن يتساءلوا: اين إله العدل؟ أن الله عادل وصالح وهو يميز بين الحق والباطل ولذلك يطلب من خائفيه أن يقتدوا به ويسيروا على طرقه ويبتعدوا عن طرق الشر والمعصية.

ولا يجوز لنا مطلقا أن نقول أن الذين عاشوا في أيام ملاخي منذ نحو2400 سنة كانوا ينفردون في اقوال كالتي نقلها النبي ملاخي بل علينا أن نعترف قائلين اننا في هذه الأيام نحن أيضاً نسقط كثيراً في خطايا ومعاصي مشابهة لتلك التي تنبأ عنها نبي الله. فمع أن العديدين من الناس لا يزالون يؤمنون – على الأقل نظريا – بالله وبأنه القدير والخالق، الا نهم باتخاذهم لآراء وفلسفات وايديولوجيات مادية ودهرية وحتمية وبفصلهم بين الدين والأخلاق، انما يضعون انفسهم في نفس الجانب الذي انتقده ملاخي النبي. فليحذر اذن سائر الناس ولاسيما أولئك الذين انجذبوا إلى الإلحاد المعاصر، أن دينونة الله آتية عليهم لا محالة أن لم يتوبوا.

1. خلاص الله سيظهر في العالم وسيستفيد منه المؤمنون: لم يكتف الله بتحذير غير المؤمنين بل وجه هذه الكلمات العذبة لسائر المؤمنين والمؤمناًت قائلا لهم"وَلَكُمْ أيها الْمُتَّقُونَ اسمي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا"لم يكن جميع معاصري ملاخي من الذين انقادوا إلى الآراء والمواقف غير السليمة بل التصق البعض من المؤمنين الحقيقيين بالطريق القويم ووضعوا ثقتهم في الله بالرغم من كل المغريات والتجارب التي أحاقت بهم. لهؤلاء ولسائر الذين كانوا سيسيرون على طريق الله عبر الأجيال التالية جاءت هذه الكلمات الإلهية الحلوة"وَلَكُمْ أيها الْمُتَّقُونَ اسمي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا"وهذه الكلمات دلت على أن الخلاص والانعتاق من سائر الخطايا ومن سائر الصنميات الظاهرية منها والخفية الخلاص هو من الله وسيهبه الله مجانا لسائر الذين يخافون ويتقون اسمه العظيم.

وقد ورد في كلمات الله الأخيرة لبني إسرائيل اسم نبين عظيمين: الأول كان موسى كليم الله والثاني ايليا الذي أنعم الله عليه بنعمة فريدة ألا وهي انه لم يذق الموت بل رفعه الله إلى نعيمه بعد أن انهي ايليا مهمته التطهيرية والاصلاحية في إسرائيل القديمة.

كان بدء الوحي المدون في العالم القديم في أيام موسى ومع أن اسفاره الخمسة المسماة بالتوراة احتوت على تاريخ وشرائع وأمور عبادة الله الا انها كانت في لبها تشير إلى الرجاء العظيم للبشرية بأسرها ألا وهومجيء المسيح يسوع. والنبي الثاني كان ايليا وهولم يترك لنا سفرا يعرف باسمه الا انه كان من الذين دعاهم الله لمحاربة الصنمية بصورة شديدة ولاظهار بطلان الأوثان مهما كانت.

خلاص البشرية اذن كان سيتم بواسطة المسيح. ولكن نظرا لحالة الناس الروحية التي لم تكن على ما يرام حتى في أيام ملاخي والتي ازدادت سوءا في أيام ما قبل مجيء المسيح فإن الله وعد بارسال نبي عظيم يعد الطريق للمسيح ألا وهو الذي كانت ستظهر في شخصيته شجاعة ايليا. وقد جاء هذا النبي وكان اسمه يوحنا بن زكريا والمعروف أيضاً باسم يوحنا المعمدان والذي نادى بضرورة التوبة. وقد ورد ما يلي عن يوحنا في الإنجيل"2كَمَا هو مَكْتُوبٌ فِي الأنبياء: «هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّ). طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. 3صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». 4كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا"

وإذ نصل الآن إلى نهاية هذا الدرس المتعلق بآخر انبياء أيام النظام القديم نقتبس هذه الكلمات التحذيرية من الرسالة إلى العبرانيين"1فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إلى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ! 2لأَنَّنَا نَحْنُ أيضاً قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أولئك، لَكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أولئك. إذ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإيمان فِي الَّذِينَ سَمِعُوا. 3لأَنَّنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ الرَّاحَةَ"آمين. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • عدد الزيارات: 2885
أضف تعليق