الأنبياء

زكريا: العودة إلى الله

"1فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إلى زَكَرِيا بْنِ بَرَخِيا بْنِ عِدُّو النَّبِيِّ: 2قَدْ غَضِبَ الرَّبُّ غَضَباً عَلَى آبَائكمْ. 3فَقُلْ لَهُمْ: [هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: ارْجِعُوا إِلَيَّ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ فَأَرْجِعَ إِلَيْكُمْ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 4لاَ تَكُونُوا كَآبَائكُمُ الَّذِينَ نَادَاهُمُ الأنبياء الأولونَ: هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الشِّرِّيرَةِ وَعَنْ أعمالكُمُ الشِّرِّيرَةِ. فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُصْغُوا إِلَيَّ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 5آبَاؤُكُمْ أَيْنَ هُمْ؟ وَالأنبياء هَلْ أَبَداً يَحْيُونَ. 6وَلَكِنْ كَلاَمِي وَفَرَائضِي الَّتِي أوصَيْتُ بِهَا عَبِيدِي الأنبياء أَفَلَمْ تُدْرِكْ آبَاءَكُمْ؟ فَرَجَعُوا وَقَالُوا: كَمَا قَصَدَ رَبُّ الْجُنُودِ أن يَصْنَعَ بِنَا كَطُرُقِنَا وَكَأعمالنَا كَذَلِكَ فَعَلَ بِنَا]. 7فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الْحَادِي عَشَرَ (هو شَهْرُ شَبَاطَ).. فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إلى زَكَرِيا بْنِ بَرَخِيا بْنِ عِدُّو النَّبِيِّ: 8رَأَيْتُ فِي اللَّيْلِ وإذا بِرَجُلٍ رَاكِبٍ عَلَى فَرَسٍ أَحْمَرَ وَهووَاقِفٌ بَيْنَ الآسِ الَّذِي فِي الظِّلِّ وَخَلْفَهُ خَيْلٌ حُمْرٌ وَشُقْرٌ وَشُهْبٌ. 9فَقُلْتُ: [يا سَيِّدِي مَا هَؤُلاَءِ؟] فَقَالَ لِي الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي: [أَنَا أُرِيكَ مَا هَؤُلاَءِ]. 10فَأَجَابَ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ بَيْنَ الآسِ: [هَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الرَّبُّ لِلْجَوَلاَنِ فِي الأرض]. 11فَأَجَابُوا مَلاَكَ الرَّبِّ الْوَاقِفِ بَيْنَ الآسِ: [قَدْ جُلْنَا فِي الأرض وإذا الأرض كُلُّهَا مُسْتَرِيحَةٌ وَسَاكِنَةٌ]. 12فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ: [يا رَبَّ الْجُنُودِ إلى مَتَى أَنْتَ لاَ تَرْحَمُ أورُشَلِيمَ وَمُدُنَ يَهوذَا الَّتِي غَضِبْتَ عَلَيْهَا هَذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً؟] 13فَأَجَابَ الرَّبُّ الْمَلاَكَ الَّذِي كَلَّمَنِي بِكَلاَمٍ طَيِّبٍ وَكَلاَمِ تَعْزِيَةٍ. 14فَقَالَ لِي الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي: [نَادِ قَائلاً: هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: غِرْتُ عَلَى أورُشَلِيمَ وَعَلَى صِهْيَوْنَ غَيْرَةً عَظِيمَةً. 15وَأَنَا مُغْضِبٌ بِغَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى الأُمَمِ الْمُطْمَئنينَ. لأَنِّي غَضِبْتُ قليلاً وَهُمْ أَعَانُوا الشَّرَّ. 16لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قَدْ رَجَعْتُ إلى أورُشَلِيمَ بِـالْمَرَاحِمِ فَبَيْتِي يُبْنَى فِيهَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ وَيُمَدُّ الْمِطْمَارُ عَلَى أورُشَلِيمَ. 17نَادِ أيضاً وَقُلْ: هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: أن مُدُنِي تَفِيضُ بَعْدُ خَيْراً وَالرَّبُّ يُعَزِّي صِهْيَوْنَ بَعْدُ وَيَخْتَارُ بَعْدُ أورُشَلِيمَ"

نبوة زكريا – الفصل 1: 1-17

عالمنا اليوم ثائر على الله! ليس من السهل قول هذا الكلام ولكننا لا نستطيع الا وان نقول: عالمنا اليوم ثائر على الله. خذ مثلا الحرية الفكرية: طابع أكثرية المؤلفات العالمية اليوم والتي ترجم البعض منها إلى العربية، طابعها عدم الاعتراف بالله ولا بوحيه ولا ببرنامجه لعالمنا. وغايتها بناء عالم جديد بدون الله، عالم الإنسان الوحيد! عالم اليوم ثائر على الله وثورته هي جذرية بمعنى انها كلية وشاملة. يتشدق دعاتها بأن الإنسان وصل إلى سن الرشد وانه لم يعد بحاجة إلى الله. يقدر الإنسان – حسب تعاليم الإلحاد المعاصر بأن يسيطر على مصيره ويتحكم بمستقبله بمفرده. لقد أعلن الإنسان المعاصر استقلاله التام والمطلق عن الله.

قد يقول العديدون: نشكر الله اننا لسنا من هؤلاء الذين يظنون انه في مقدورهم بناء عالم بدون الله. نحن نؤمن بالله الخالق القدير وباتكاليتنا عليه تعالى. هذا أمر حسن وجيد ولكنه يجدر بنا أن نفحص قلوبنا، كل بمفرده وأمام خالقه العليم بالنوايا، على كل منا أن يسأل نفسه: هل تأثرت انا شخصيا بجذرية ثورة اليوم – أي الثورة الفكرية المضادة لله ولوحيه ولنواميسه المقدسة – هل صار ولائي ولاء موزعا بين الله وبين آلهة اليوم المتعددة؟

لا يرضى الله بقلب منقسم ولا بولاء موزع بينه وبين الأصنام المعاصرة. يطلب منا الله ولاء تاما وكاملا لأنه أن طلب اقل من ذلك لا يعود هو الله. ليس هناك مجال في دنيانا لله وللأصنام، حتى وان كانت الأصنام خفية ومتسترة تحت نظريات فلسفية مطلية بطلاء العلم. وبما انه لا يوجد إنسان الا وقد تأثر نوعا ما بما يجرى في عالمنا اليوم فانه يجدر بنا جميعا أن نعلم أن ما يطلبه الله منا اليوم هو توبة جذرية أي شاملة لسائر نواحي حياتنا. عاش هذا النبي في أيام ما قبل الميلاد في بلاد فلسطين وكان أحد انبياء العائدين. وقد دعا الله هؤلاء الأنبياء ليقودوا الشعب في حياتهم الروحية وكان أحدهم النبي حجي وقد بحثنا في نبوته في الدرسين السابقين.

وبعد اهمال دام عدة سنين لمشروع اعادة بناء الهيكل أخذ الشعب يعمل بجد ونشاط في بناء بيت الله في القدس. وفي تلك المدة دعا الله النبي زكريا وطلب منه أن ينادى قائلا"غَضِبَ الرَّبُّ غَضَباً عَلَى آبَائكمْ. 3فَقُلْ لَهُمْ: [هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: ارْجِعُوا إِلَيَّ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ فَأَرْجِعَ إِلَيْكُمْ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 4لاَ تَكُونُوا كَآبَائكمُ الَّذِينَ نَادَاهُمُ الأنبياء الأولونَ: هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الشِّرِّيرَةِ وَعَنْ أعمالكُمُ الشِّرِّيرَةِ. فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُصْغُوا إِلَيَّ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 5آبَاؤُكُمْ أَيْنَ هُمْ؟ وَالأنبياء هَلْ أَبَداً يَحْيُونَ. 6وَلَكِنْ كَلاَمِي وَفَرَائضي الَّتِي أوصَيْتُ بِهَا عَبِيدِي الأنبياء أَفَلَمْ تُدْرِكْ آبَاءَكُمْ؟ فَرَجَعُوا وَقَالُوا: كَمَا قَصَدَ رَبُّ الْجُنُودِ أن يَصْنَعَ بِنَا كَطُرُقِنَا وَكَأعمالنَا كَذَلِكَ فَعَلَ بِنَا"

لو تاب آباء وأجداد العائدين لما كان الله قد سباهم وشردهم في سائر انحاء تلك الأقاليم. آباؤهم وأجدادهم لم يسمعوا لصوت الله الذي جاءهم بواسطة أنبياء الله في أيام ما قبل السبي. وبما انهم ثابروا في السير على الطريق المعوج وعبدوا الآلهة الغريبة فانهم نالوا دينونة الله. فليتعظ اذن ابناؤهم وليروا عاقبة الثورة على الله!

كان العائدون قد تابوا إلى الله ورأوا افلاس آلهة الوثنيين. وتوبة العائدين ظهرت في أعمالهم لأنهم شرعوا بترميم الهيكل المدمر كما كان الله قد أمرهم بأن يقوموا بذلك بناء على نبوة حجي النبي. أما غاية زكريا النبي فكانت في التشديد على أهمية جذرية التوبة الحقيقية. هل كانت توبة الابناء توبة جذرية؟ هل كانوا بالحقيقة قد نبذوا عن انفسهم تجربة الولاء المنقسم أي عبادة الله وخدمة الآلهة الغريبة في أن واحد؟ أن الكلمة المستعملة في اللغة الأصلية قد عربت بكلمة"ارجعوا"أي توبوا. انها تتطلب توبة إلى الله ورجوعا اليه مقداره لا أقل من 180 درجة! وبكلمة أخرى أن الله يطلب من عبيده وخائفيه أن يسيروا على طريقه المستقيم وألا يحاولوا السير في طرق الآلهة الكاذبة. فإن كان الإنسان سائرا على هذه الأخيرة فانه يتوجب عليه أن يغير اتجاه مسيرته بصورة تامة وكاملة وهذا ما دعانا إلى القول بأن التغيير يجب الا يقل عن 180 درجة.

إن نصف توبة لا تفيد، التوبة الجزئية لا تفيد لأنها ليست برجوع تام إلى الله. كل من يكتفي بنصف توبة أي بتوبة سطحية قشرية انما يكون قد ضمن رجوعه إلى طرق الآلهة الكاذبة! كانت مهمة زكريا أن يحذر الشعب المعاصر له بأن لا يظنوا وانهم قد شرعوا ببناء الهيكل بأنهم كانوا غير قابلين للسقوط من جديد! الضمان الوحيد ضد السقوط هو التوبة الحقيقية، الرجوع التام والكامل إلى الله ونبذ سائر الصنميات مهما كانت ومهما تعددت مغرياتها.

وعلينا أن نتذكر اننا في هذه الأيام محاطون بأصنام وآلهة كاذبة متعددة. انها لا تشبه الآلهة الوثنية القديمة من الناحية الظاهرية أو الشكلية ولكنها ليست أقل خطرا منها نظرا لكونها معنوية. الأصنام المعاصرة تملأ عالم اليوم. انها تتجسم في النظريات الحياتية والفلسفات والايديولوجيات التي لا مجال فيها لله الواحد الخالق والمعتني بكل ما في الوجود والمهيمن على مقدرات الكون بأسره. الأصنام المعاصرة هي تجسيد لافكار وآراء الإنسان المعاصر الذي تخلص من فكرة الله – حسب ظنه – وتحرر نهائيا من عالم ما فوق الطبيعة. هذه الأصنام هي في كل مكان وهي تعرض آراءها وأفكارها بكل مهارة واعدة إنسان اليوم بالحرية والحياة الجديدة.

حسن جدا أن يقول الإنسان اني لم اقع في حبائل الصنمية المعاصرة ولست من عبيدها ولا أثق بها ولم استسلم لها. حسن أن يكون الإنسان ملما بمخاطرها ولكنه من المستحيل أن يحيا الإنسان على اساس السلبية المحضة. المهم ليس فقط عدم الوقوع في الصنمية، اهم شيء هو أن نؤمن إيماناً حيا بالله وبوحيه المقدس. أن الله الذي نؤمن به ليس عبارة عن اختراع افكارنا وعقولنا. أن الله الذي نؤمن به ونثق به هو الله الذي كشف لنا ذاته. إذ انه تعالى منذ القديم تكلم معنا بواسطة الأنبياء والرسل. وفي وسط التاريخ وفي قلب الأرض المقدسة كشف الله ذاته لنا بصورة جلية في شخص يسوع المسيح المخلص. جاء المسيح إلى دنيانا هذه ليقذنا من سائر الخطايا والمعاصي والآثام ولاسيما من خطية الوثنية وعبادة الأصنام.

عندما نؤمن بالله كما كشف لنا ذاته في المسيح المخلص والفادي أي عندما نؤمن به كخالقنا ومنقذنا وفادينا ومحررنا فانه يعطينا المقدرة والقوة اللازمتين لنكيف حياتنا الفكرية والعملية بمقتضى هذا الإيمان. المناعة الروحية التي نحتاج اليها اليوم أي المناعة ضد وبأ الإلحاد المعاصر – هذه المناعة لا نكتسبها في مواقف نظرية نقفها من سائر أنواع صنميات اليوم. هذه المناعة تكتسب عندما نضع إيماننا بالله وبمسيحه موضع التنفيذ في جميع حقول الحياة.

يتوجب على جميع المؤمنين والمؤمناًت في عالم اليوم أن ينبذوا الازدواجية أي الحياة على مستويين متضادين في أن واحد يتوجب أن تزول الهوة بين الإيمان والحياة في حياة كافة المؤمنون والمؤمناًت. الحياة بأسرها يجب أن تكون في سبيل مجد الله ومن أجل خير البشرية جمعاء.

كان عابدو الاصنام أيام النبي زكريا يخالون بأن حياتهم ستدوم على منوال عرفوه لمدة ما وان نوعا من السلام والطمأنينة سيدومان. ولكن كلمة الله بواسطة زكريا النبي كانت"15وَأَنَا مُغْضِبٌ بِغَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى الأُمَمِ الْمُطْمَئنينَ"، فاطمئنان الناس لم يكن في موضعه لأنهم كانوا يتمتعون بسلام الموت لا بسلام الحياة.

وهكذا فإن ظن عبدة اصنام اليوم، أن ظنوا بأن عالمهم النظرى الذي ابدعوه انما هو عالم مطمئن فيه السلام والوئام، فليعلموا جيدا بأن ذلك ليس الا بحلم فارغ. ليس هناك طمأنينة حقيقية أو سلام حقيقي دائم خارج نطاق طريق الله. جميع ما بناه الإنسان الثائر على الله – أن كان الإنسان القديم أو انسان القرن العشرين – جميع ما قام به الثائرون على الله لم يجلب على البشرية سوى الشر والهلاك – في النهاية.

فطريق الله اذن هو الطريق المستقيم المؤدى إلى الحياة الحقيقية الديناميكية. اما كيفية الحصول على ذلك فاننا نعود ونذكر ما كنا قد ذكرناه سابقا أي في بدء هذا الدرس. أن عالمنا اليوم بحاجة ماسة إلى توبة جذرية، إلى رجوع تام وكامل إلى الله. أقل من ذلك لا يكفي ولا يفيد. نصف توبة هي لا توبة، توبة جزئية هي عودة إلى الصنمية. نحتاج في هذه الأيام العصيبة إلى التوبة الجذرية العودة الكاملة إلى الله أي تغيير الاتجاه الحياتي بمقدار 180 درجة! هل عندك مناعة كافية ضد الصنمية المعاصرة؟ هل تعد نفسك من المؤمنين بالله؟ هل حاولت العيش على مستويين مختلفين مستوى الإيمان في ناحية من حياتك ومستوى عدم الإيمان في بقية نواحي حياتك؟ وبعبارة أخرى هل سقطت في خطية الازدواجية؟ أرجوك باسم الله أن تتوب اليه توبة تامة وكاملة وتعود اليه عودة كلية واعلم جيدا أن هذا ممكن بواسطة إنجيل المسيح. آمن بالمسيح كمخلص فتختبر الخلاص من سائر الخطايا والآثام ولاسيما من اصنام القرن العشرين، آمين.

الطهارة الكاملة

"1وَأَرَانِي يَهوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائماً قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ وَالشَّيْطَانُ قَائم عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَأومَهُ. 2فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: [لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يا شَيْطَانُ. لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أورُشَلِيمَ. أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟]. 3وَكَانَ يَهوشَعُ لاَبِساً ثِيَاباً قَذِرَةً وَوَاقِفاً قُدَّامَ الْمَلاَكِ. 4فَقَالَ لِلْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ: [انـزعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ]. وَقَالَ لَهُ: [انْظُرْ. قَدْ اذهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ وَأُلْبِسُكَ ثِيَاباً مُزَخْرَفَةً]. 5فَقُلْتُ: [لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً]. فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَاباً وَمَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفٌ. 6فَأَشْهَدَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى يَهوشَعَ قَائلاً: 7[هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: أن سَلَكْتَ فِي طُرُقِي وَإِنْ حَفِظْتَ شَعَائري فَأَنْتَ أيضاً تَدِينُ بَيْتِي وَتُحَافِظُ أيضاً عَلَى دِيَارِي وَأُعْطِيكَ مَسَالِكَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الْوَاقِفِينَ. 8فَاسمعْ يا يَهوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ (لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ). لأَنِّي هَئنذَا آتِي بِعَبْدِي [الْغُصْنِ]. 9فَهوذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهوشَعَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ سَبْعُ أَعْيُنٍ. هَئنذَا نَاقِشٌ نَقْشَهُ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأرض فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. 10فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ يُنَادِي كُلُّ إنسان قَرِيبَهُ تَحْتَ الْكَرْمَةَ وَتَحْتَ التِّينَةِ"

نبوة زكريا – الفصل 3

كان الله قد عاقب بني إسرائيل في أيام ما قبل الميلاد لأنهم وقعوا في خطية عبادة الأصنام تلك الاصنام التي كانت تعبد في البلاد المجاورة. هذا بالرغم من انهم كانوا قد اختبروا خلاص الله وافتقاده لهم تحت قيادة المشرع العظيم كليم الله موسى النبي.

كان عقاب بني إسرائيل في تلك الأيام هو سماح الله لأعدائهم بأن يأسروهم ويشردوهم إلى بلاد البابليين أي ما بين النهرين حيث بقي أكثرهم في تلك الأقاليم ومن ثم تاهوا في سائر بقاع العالم. ولكن أقلية منهم رجعت إلى البلاد المقدسة تحت قيادة زعيمين عرفا باسم عزرا ونحميا. عاد هؤلاء إلى البلاد المقدسة وكان عددهم نحو42 الف نسمة وقد شفوا من داء روحي وبيل ألا وهوداء الصنمية الظاهرية أو الصنمية بمعناها الاعتيادى. فقد اختبر هؤلاء اثناء السبي الذي دام 70 سنة أن الأصنام لا تخلص ولا تنقذ وان المخلص الوحيد هو الله، الاله الواحد القدوس صانع السماء والأرض وباري الكون بأسره.

ومن المهم لكل إنسان مهما كان وأينما وجد أن يصل إلى هذا الاقرار الجذرى بأن الأصنام ليست الا آلهة وهمية كاذبة وان المتعبدين لها يمنون الفشل الذريع ويجلبون على انفسهم غضب الله. من الجيد لكل بشرى أن يقول اليوم اشكر الله انني لا اعبد آلهة كاذبة ولا أسجد لأصنام صم وبكم بل أعترف بالله السرمدى القدوس صانع السماء والأرض ورب العالمين.

كان العائدون من بني إسرائيل قد تلقنوا درسا روحيا هاما ألا وهو بطلان عبادة الأوثان ولكن هذا لا يعني انهم نجوا من كل نوع أولون من الصنمية. وهذا هو الدرس الذي نتعلمه من الفصل الثالث من نبوة زكريا النبي.

شفي العائدون من خطر عبادة الأصنام الظاهرية ولكنهم لم يكونوا قد نجوا من خطية عبادة الأصنام لأن هذه كثيراً ما تكون مخفية ومعنوية ومستترة! وفي هذه الكلمات المستقاة من الفصل الثالث من سفر نبوة زكريا كما قرأناها في مقدمة هذا الدرس، نلاحظ مشهدا في غاية الأهمية: يهوشع الكاهن العظيم الذي كان يمثل الشعب بأسره ظهر واقفا امام ملاك الرب وكان الشيطان عن يمينه يقاومه أي يشتكي عليه. يا ترى لماذا كان الشيطان يشتكي على رئيس الكهنة وما هي الخطايا التي كان الشعب قد سقط فيها؟

لم تكن غاية الشيطان كما انها ليست غايته اليوم الدفاع عن الحق ومحاربة الباطل. انه عدوالله والإنسان وغايته في ذكر موضوع عدم كمال يهوشع الكاهن العظيم هي اظهار عدم نجاح عمل الله في حياة العائدين. هذا كان زعمه وهذا كان رجاؤه! ولكن ماذا نقرأ في النبوة: "2فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: [لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يا شَيْطَانُ"لم يسمح الله للشيطان بأن يستمر في شكواه على الكاهن وعلى الذين كانوا يمثلون في الكاهن لأنه تعالى كان قد صمم بأن ينقذ شعبه من سائر المعاصي والخطايا التي كانت عالقة بهم.

لم يسمح الله للشيطان بأن يقأوم شعبه ولكن ذلك لا يعني أن الله القدوس تجاهل الخطايا العالقة بهم. وقد شدد على اهمية الاعتراف بوجودها بواسطة الصورة التي أعطانا اياها عن الكاهن يهوشع الذي كان لابسا ثيابا قذرة وواقفا قدام الملاك. دلت هذه الثياب القذرة على وجود خطايا عديدة في حياة الناس العائدين إلى البلاد المقدسة. كانوا قد تخلصوا من خطية عبادة الأصنام الظاهرية ولكنهم لم يتخلصوا نهائيا من الصنميات الخفية: الصنميات التي تظهر في حياة منطوية على ذاتها وفي اكتفائية لا تسمح لله بأن يقوم بعمله الفدائي والخلاصي! أشار الشيطان إلى جميع هذه الأمور المحزنة العالقة بمن كان يمثلهم يهوشع الكاهن العظيم _ وغايته كانت دمار الشعب وسقوطهم في بحر اليأس والقنوط!

لكن ما أعظم محبة الله ورحمته! لا يتناسى الله الخطايا الخفية والصنميات المعنوية العالقة بعبيده وبخائفيه ولكنه يعمل على انقاذهم منها! قال"[انـزعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ]. وَقَالَ لَهُ: [انْظُرْ. قَدْ اذهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ وَأُلْبِسُكَ ثِيَاباً مُزَخْرَفَةً]. 5فَقُلْتُ: [لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً]. فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَاباً"أي ثيابا مزخرفة! وبهذا العمل الرمزى علمنا النبي زكريا بأن الله ذاته يأخذ على عاتقه موضوع انقاذ وتطهير شعبه. الخلاص من الصنمية الخفية لا يتم بعزيمة الإنسان الصادقة ولا بقوته الشخصية بل بواسطة عمل الله.

وقد تكلم الله بواسطة عبده زكريا النبي معلما الشعب بأن هذا الخلاص الذي وعد به انما سيجرى بشكل حاسم لدى مجيء السيد المسيح إلى العالم وكان الجميع (أي جميع المؤمنين). سيستفيدون منه بغض النظر فيما اذا كانوا من اهل النظام القديم أومن اهل النظام الجديد أي أيام المسيح هذه. قال الله" 8فَاسمعْ يا يَهوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ (لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ). لأَنِّي هَئنذَا آتِي بِعَبْدِي [الْغُصْنِ]"

لماذا أشار الله إلى السيد المسيح بعبارة: الغضن؟ هذا كان لأن المسيح كان سيأتي من نسل إبراهيم حسب طبيعته الجسدية كغصن حي من شجرة ظهرت وكأنها كانت قد فقدت الحياة. لم تكن حالة العائدين من بلاد ما بين النهرين تشبه المجد السالف الذي عرف اثناء مملكة داود وسليمان الحكيم. ذلك المجد كان قد ولى وأدبر ولم يبق منه من الناحية الخارجية سوى الذكريات وظهرت حالة الشعب وكأنها بدون أي رجاء. ولكن الله لم يرغب في رؤية شعبه يفقد كل رجاء أو امل في مجيء المخلص المنتظر ولذلك قال بواسطة النبي زكريا"لأَنِّي هَئنذَا آتِي بِعَبْدِي [الْغُصْنِ]"

وبعد مرور خمسة قرون جاء المسيح إلى دنيانا وهو مكلف بمهمة فريدة ألا وهي القضاء على مشكلة الخطية العالقة بالإنسان بشتى مظاهرها. جاء المسيح وكفر عن خطايانا وفتح لنا الباب إلى عرش الله. لم يكن بوسعنا نحن بني البشر أن نحل هذه المشكلة الجذرية – وكل المحاولاًت في الماضي وفي الحاضر لحل مشكلة الشر والخطية بواسطة جهود الإنسان الخاصة قد باءت بالفشل. المسيح الذي وعد الله به لأنبياء النظام القديم وللشعب في تلك الأيام، المسيح جاء وأتم عمله الخلاصي في قلب الأرض المقدسة وذلك بموته الكفاري على الصليب وبقيامته الجبارة من الأموات. حمل المسيح على جسده خطايا جميع المؤمنين به وهو لذلك دعي في الإنجيل بحمل الله الذي يرفع خطايا العالم.

الطهارة الكاملة التي يحلم بها الإنسان غير ممكنة أن سعى الإنسان بأن يحصل عليها بجهوده الخاصة. كل إنسان يفشل فشلا ذريعا في ذلك السعي ولكنه يقدر أن يحصل على الطهارة الكاملة عندما يؤمن إيماناً قلبيا بالمسيح المخلص. فاذا ذاك يحسب الله كمال المسيح وعمله الكفاري الذي تم على الصليب، يحسب الله ذلك لحساب المؤمن. وكما أخذت الثياب القذرة عن يهوشع الكاهن ومن ثم أعطي ثيابا جديدة ومزخرفة وعمامة طاهرة من قبل الله وذلك كرمز للطهارة، هكذا يمنح الله المؤمن ثوب الطهارة والبر والقداسة. وفوق كل شيء يبدأ المؤمن بالعيش في الحرية الحقيقية تلك الحرية المتحررة من كل صنمية ظاهرية كانت أم خفية – الحرية الحقيقية التي تساعد المؤمن على العيش بتجانس تام مع شريعة الله. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • عدد الزيارات: 2413
أضف تعليق