الأنبياء

ميخا: نبي الصلاح

"1وَيْلٌ لِلْمُفْتَكِرِينَ بِـالْبُطْلِ وَالصَّانِعِينَ الشَّرَّ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ. فِي نُورِ الصَّبَاحِ يَفْعَلُونَهُ لأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ يَدِهِمْ. 2فَإِنَّهُمْ يَشْتَهونَ الْحُقُولَ وَيَغْتَصِبُونَهَا وَالْبُيُوتَ وَيَأْخُذُونَهَا وَيَظْلِمُونَ الرَّجُلَ وَبَيْتَهُ وَالإنسان وَمِيرَاثَهُ. 3لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: "هَئنذَا أَفْتَكِرُ عَلَى هَذِهِ الْعَشِيرَةِ بِشَرٍّ لاَ تُزِيلُونَ مِنْهُ أَعْنَاقَكُمْ وَلاَ تَسْلُكُونَ بِـالتَّشَامُخِ لأَنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ. 4"فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُنْطَقُ عَلَيْكُمْ بِهَجْو وَيُرْثَى بِمَرْثَاةٍ وَيُقَالُ: خَرِبْنَا خَرَاباً. بَدَلَ نَصِيبِ شَعْبِي. كَيْفَ يَنـزعُهُ عَنِّي؟ يَقْسِمُ لِلْمُرْتَدِّ حُقُولَنَا". 5لِذَلِكَ لاَ يَكُونُ لَكَ مَنْ يُلْقِي حَبْلاً فِي نَصِيبٍ بَيْنَ جَمَاعَةِ الرَّبِّ. 6يَتَنَبَّأونَ قَائلينَ: "لاَ تَتَنَبَّأوا". لاَ يَتَنَبَّأونَ عَنْ هَذِهِ الأمور. لاَ يَزُولُ الْعَارُ. 7أَيُّهَا الْمُسَمَّى بَيْتَ يَعْقُوبَ هَلْ قَصُرَتْ رُوحُ الرَّبِّ؟ أَهَذِهِ أَفْعَالُهُ؟ "أَلَيْسَتْ أَقْوَالِي صَالِحَةً نَحْو مَنْ يَسْلُكُ بِـالاِسْتِقَامَةِ؟ 8وَلَكِنْ بِـالأَمْسِ قَامَ شَعْبِي كَعَدُوٍّ. تَنـزعُونَ الرِّدَاءَ عَنِ الثَّوْبِ مِنَ الْمُجْتَازِينَ بِـالطُّمَأْنِينَةِ وَمِنَ الرَّاجِعِينَ مِنَ الْقِتَالِ. 9تَطْرُدُونَ نِسَاءَ شَعْبِي مِنْ بَيْتِ تَنَعُّمِهِنَّ. تَأْخُذُونَ عَنْ أَطْفَالِهِنَّ زِينَتِي إلى الأَبَدِ. 10"قُومُوا وإذهَبُوا لأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الرَّاحَةَ. مِنْ أجل نَجَاسَةٍ تُهْلِكُ وَالْهَلاَكُ شَدِيدٌ. 11لَوكَانَ أَحَدٌ وَهو سَالِكٌ بِـالرِّيحِ وَالْكَذِبِ يَكْذِبُ قَائلاً: أَتَنَبَّأُ لَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ لَكَانَ هو نَبِيَّ هَذَا الشَّعْبِ!"

نبوة ميخا الفصل 2: 1-11

هل الإنسان مقياس كل شيء؟ ومن اين يحصل الإنسان على الصلاحية لقياس أمور هذه الحياة؟ وبعبارة أخرى: من هو الذي يسن قوانين هذه الحياة بشتى حقولها ومظاهرها؟ هذه أسئلة تتعلق بصميم الحياة التي نحياها في هذه الأيام والاجابة عليها ليس بموضوع نظرى بل انه موضوع عملي للغاية.

حسب تعليم الفلسفة الدهرية المعاصرة يقال لنا أن الإنسان هو مقياس كل شيء ونظرا لكونه أعظم شيء في الوجود فانه يتمتع بمطلق الصلاحية لسن القوانين التي تتعلق بحياته وبدنياه. وبما أن افكار الإنسان تتغير من عصر إلى اخر ومن اقليم إلى اخر فإن المقاييس الحياتية والايديولوجيات العقائدية هي متغيرة ومتقلبة لانها بنات أفكار الإنسان ذى السلطة العليا في هذه الدنيا.

ولكن اين موضع الله في هكذا أفكار وآراء؟ كيف يتكلم الناس عن مقاييس الحياة وهم صامتون بخصوص الله وارادته ومشيئته المقدسة؟ ما هذا الذي نشاهده في دنيانا؟ هل هناك مؤأمرة مسكونية ضد الله؟ أن ما ذكرناه انما هو ظاهرة عصرية واقعية وهي ثمرة الفلسفة الدهرية التي طغت على العالم المعاصر والتي تعد موضوع الله خارج عن نطاق كل بحث فكرى وجدى. قد لا ينكر الناس وجود الله تعالى اسمه في مجالات الأوساط الفكرية العالمية الا انهم يعدون الله مجرد فكرة اصلها العقل البشرى ولذلك فإن موضوع الحياة البشرية ومقاييسها وأهدافها لهو خارج عن نطاق الله!

يا لها من حالة مؤسفة مؤلمة، هذه الحالة التي وصل اليها عالمنا اليوم. أن الإنسان قد وصل إلى أوج مجده حسب ما يعتقدوها انه يتصور انه يقدر السيطرة على دنياه وعلى حياته بدون اخذ الله بعين الاعتبار. ولكن ماذا نرى أن تفحصنا أمور عالمنا؟ هل نشاهد بزوغ شمس السلام والوئام؟ هل نلاحظ تقدما اخلاقيا وحضاريا وإنسانيا يوازى التقدم العلمي والتقني؟ كلا، نجد الإنسان المعاصر وسط ازمة حادة لم يعرف لها مثيل في العصور الماضية.

إنسان اليوم هو إنسان خائف من الأمور التي يعرفها والتي قد تدمر حياته وكذلك يخاف من الأمور التي يجهلها والتي لا يستطيع أن يصفها بكلام معقول. الإنسان المعاصر هو إنسان يلازمه الخوف والرعب في كل لحظة من حياته لأنه يعيش ضمن عالم صار من الممكن تدميره تدميرا تاما وكليا في بضعة دقائق!

وإذ نرى كل ذلك وإذ نعترف بالورطة الشديدة التي يجد الإنسان نفسه فيها أيمكننا بعد السير في ركاب الدهرية بشتى ألوانها وأشكالها والتصور بأننا نقدر بأن نسيطر على عالمنا بدون الله؟ أيها الإنسان المعاصر! يا من سكرت بخمر مآثر الاكتشافات الحديثة، ارجع، ارجع إلى ربك والهك واعترف بما قام به الله منذ فجر التاريخ.

الله هو الذي يضع مقاييس الحياة البشرية. الله هو صاحب السلطة المطلقة في حياة الافراد والجماعات والأمم والشعوب. وقد شاء تعالى اسمه فتكلم مع الإنسان منذ فجر التاريخ وخاصة في أيام موسى النبي الذي استلم من الله الشريعة التي يجب أن يحيا الإنسان بموجبها والتي ندعوها أحيانا بوصايا الله العشر. يأمر الله الإنسان بأن يبعد عنه الوثنية والصنمية بشتى مظاهرها وان يحيا في صحبته وان يعمل على جلب الخير لقرينه الإنسان. خلاصة شريعة الله انما هي محبة الله فوق كل شيء ومحبة القريب كالذات!

لم يترك الله البشرية تتيه في مجاهلها المظلمة بل أرسل أنبياءه لدعوة الضالين لكي يعودوا إلى الطريق المستقيم. وقد تكلم الله الينا بواسطة عبده ونبيه ميخا منذ حوالي أكثر من 2600 سنة. عاش هذا النبي في بلدة صغيرة تبعد نحو30 كم عن بيت لحم في فلسطين وباتجاه الجنوب والغرب. وقد تنبأ هذا النبي في وقت كانت فيه بلاده منقسمة إلى قسمين: المملكة الشمالية التي عرفت في تلك الأيام بمملكة إسرائيل والمملكة الجنوبية والتي كانت تسمى بمملكة يهوذا. كان ميخا النبي والذي يعني اسمه"من هو كالرب"كان ميخا هذا نبيا دعاه الله لتأنيب الناس لانذارهم وحثهم على الرجوع إلى الله والتوبة عن آثامهم وشرورهم العديدة. ويمكننا تسمية ميخا النبي بنبي الصلاح لأن دعوته كانت دعوة اصلاحية لسائر الناس الذين كانوا يعيشون في بلاده.

تصور الناس في أيام ميخا النبي بأن الله كان راضيا عليهم لأنهم كانوا يقومون بممارسة بعض الشرائع الدينية ولأنهم كانوا قد جاؤوا بقادة فكر متحررين حسب زعمهم من سلطة الشريعة الموسوية القاسية. وظن هؤلاء الناس بأن الرب الاله هو كآلهة الوثنيين أي انه كان لا يأبه بما كان يصدر عنهم من افعال ردئية – طالما انهم كانوا يرضونه احيانا بواسطة التقدمات والذبائح. يا لهم من قوم اغبياء! يا لهم من قوم جهال! أيخالون أن الله تعالى اسمه هو كآلهة الشعوب الوثنية؟ ليسمعوا هذا الكلام الذي ابتدأ ينادى به ميخا رسول الله"1وَيْلٌ لِلْمُفْتَكِرِينَ بِـالْبُطْلِ وَالصَّانِعِينَ الشَّرَّ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ. فِي نُورِ الصَّبَاحِ يَفْعَلُونَهُ لأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ يَدِهِمْ. 2فَإِنَّهُمْ يَشْتَهونَ الْحُقُولَ وَيَغْتَصِبُونَهَا وَالْبُيُوتَ وَيَأْخُذُونَهَا وَيَظْلِمُونَ الرَّجُلَ وَبَيْتَهُ وَالإنسان وَمِيرَاثَهُ. 3لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: "هَئنذَا أَفْتَكِرُ عَلَى هَذِهِ الْعَشِيرَةِ بِشَرٍّ لاَ تُزِيلُونَ مِنْهُ أَعْنَاقَكُمْ وَلاَ تَسْلُكُونَ بِـالتَّشَامُخِ لأَنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ. 4"فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُنْطَقُ عَلَيْكُمْ بِهَجْو وَيُرْثَى بِمَرْثَاةٍ وَيُقَالُ: خَرِبْنَا خَرَاباً"!

لا يرضى الله مطلقا بالعدوان الجائر الذي يقوم به الإنسان على قريبه الإنسان. لا يرضى الله أبدا ببديل عن الحق والعدل والصلاح الذي يجب أن يتم على هذه الأرض وبواسطة الناس الذين خلقهم الله على صورته وشبهه. أن الله غير راض عن كل ما يحدث في عالمنا اليوم أيضاً إذ انه الاله السرمدى الذي لا يتغير وما تكلم به بواسطة عبده ميخا لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا نحن سكان القسم الأخير من القرن العشرين. قد يتصور الإنسان اليوم كما تصور معاصرو ميخا بأن الله لا يهتم بما يجرى على أرضنا هذه. هذا خطأ فادح! أن الله عليم بكل شيء ولا يفوته أمر فمن العبث التصور اذن بأن أمور العدوان والجور والظلم تجرى وأن الله يبقى مكتوف الأيدى أو عاجزا عن معاقبة المخالفين لنص وروح نواميسه الحياتية.

أرسل الله نبيه ميخا الذي نادى بالويل لأولئك الذين كانوا قد عملوا لأنفسهم مقاييسا معوجة واضطهدوا بحسب نصوصها الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى والمحتاجين نادى النبي بالويل لهؤلاء لأن دينونة الله كانت على الأبواب. وبالفعل نعلم من دراستنا للتاريخ أن سكان المملكة الشمالية خسروا حريتهم وسباهم الأشوريون إلى بلاد ما بين النهرين كذلك جاء البابليون بعد ذلك وسبوا سكان المملكة الجنوبية إلى تلك الاصقاع. وقد جرى كل ذلك بأمر الله لأنه لم يكن لينذر فقط بل كان يعاقب من تجاهلوا رسالات الأنبياء.

قلنا سابقا أن الله قد اعلن شريعته بصورة خاصة في أيام موسى النبي وان تلك الشيعة المدعوة أيضاً بالتوراة كانت تحتوى على جميع متطلبات الله من بني البشر. فلماذا فشل أولئك الذين استلموها؟ انهم لم يفتقروا إلى معرفة الحق معرفة عقلية لأن موسى وخلفاء موسى علموها ونادوا بها. هذه أسئلة ذات اهمية قصوى!

فشل بنو إسرائيل في العيش بمقتضى الشريعة لأنهم كغيرهم من بني آدم لهم ميل دائم للقيام بما منعه الله ولاهمال ما أمر به الله. هذا الميل يدعوه الكتاب بالخطية. هذا لا يعني اننا ننسب النقص للشريعة الإلهية. النقص أو الخلل بالاحري انما هو في الإنسان، لا الإنسان الذي خلق كخليقة جيدة من قبل الله بل الإنسان المخلوق الذي ثار على الله الخالق. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى معرفة بارادة الله بل انه بحاجة ماسة إلى منقذ من سطوة الميل الدائم نحو الشر لكي يستطيع بأن يحيا حسب المشيئة الإلهية.

وهذا ما كان الأنبياء كميخا وغيره ينادون به. طبعا كان الأنبياء ينذرون الناس ويتنبأون عن مجيء يوم القصاص والعقاب ولكن رسالتهم لم تكن مجرد انذار بل كانت تحتوى أيضاً على البشرى السارة بأن الله ذاته كان سيتخذ سائر الترتيبات ويقوم بكل ما يلزم لانقاذ الناس وتحريرهم من العبودية الغاشمة التي كانوا يرزحون تحتها.

وبالفعل تنبأ النبي ميخا عن أيام المسيح وقال في الفصل الخامس من نبوته""أَمَّا أَنْتِ يا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أن تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إسرائيل وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أيام الأَزَلِ"وهذه النبوة تمت بصورة تامة بعد نحو700 سنة من أيام ميخا عندما ولد المسيح في بيت لحم وهي مدينة صغيرة تقع بالقرب من القدس والتي لا تزال إلى أيامنا هذه وتعرف كموضع ولادة سيدنا المسيح.

ولم تكن الأيام التي عاش فيها المسيح تختلف كثيراً عن أيام ميخا النبي الا أن البلاد في أيامه له المجد لم تكن مستقلة بل خاضعة للرومان. وكان الناس يعيشون مثلما كانوا يعيشون في أيام ميخا والحياة الدينية كانت قشرية سطحية على الغالب. ولكن المسيح لم يأت لمجرد زيارة استطلاعية لعالمنا هذا بل جاء للقضاء على الشر. فعلمنا بواسطة تعاليمه ومعجزاته عن عمله الخلاصي ثم صلب ومات وقام في اليوم الثالث من الأموات متمما لنا عملا خلاصيا فدائيا وتحريريا جبارا. وهكذا يمكننا القول بأن جميع نبوات الأنبياء تمت في المسيح لأنه له المجد جاء ليرد الإنسان إلى الهه وليمنحه القوة والصلاحية للعيش بحسب نواميس الشريعة الإلهية.

وعمل المسيح الخلاصي يستفيد منه كل إنسان – لا بصورة آلية – بل كل إنسان يؤمن من قرارة قلبه بأنه قد أخطأ ضد الله وانه هالك لا محالة أن لم يقبل خلاص الله الذي تم في المسيح المخلص. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • عدد الزيارات: 2745
أضف تعليق