الأنبياء

رسالة النبي عاموس

"1اسمعُوا هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ يا بَنِي إسرائيل عَلَى كُلِّ الْقَبِيلَةِ الَّتِي أَصْعَدْتُهَا مِنْ أرض مِصْرَ قَائلاً: 2«إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائل الأرض لِذَلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ». 3هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعاً أن لَمْ يَتَوَاعَدَا؟ 4هَلْ يُزَمْجِرُ الأَسَدُ فِي الْوَعْرِ وَلَيْسَ لَهُ فَرِيسَةٌ؟ هَلْ يُعْطِي شِبْلُ الأَسَدِ زَئيرَهُ مِنْ خِدْرِهِ أن لَمْ يَخْطُفْ؟ 5هَلْ يَسْقُطُ عُصْفُورٌ فِي فَخِّ الأرض وَلَيْسَ لَهُ شَرَكٌ؟ هَلْ يُرْفَعُ فَخٌّ عَنِ الأرض وَهو لَمْ يُمْسِكْ شَيْئا؟ 6أَمْ يُضْرَبُ بِـالْبُوقِ فِي مَدِينَةٍ وَالشَّعْبُ لاَ يَرْتَعِدُ؟ هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟ 7إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أمراً إِلاَّ وَهو يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأنبياء. 8الأَسَدُ قَدْ زَمْجَرَ فَمَنْ لاَ يَخَافُ؟ السَّيِّدُ الرَّبُّ قَدْ تَكَلَّمَ فَمَنْ لاَ يَتَنَبَّأُ؟"

نبوة عاموس – الفصل 3: 1-8.

عندما يصرح أحدهم بأنه يؤمن بالله يكون هذا الشخص معلنا في نفس الوقت إيمانه بالله الخالق لكل ما في الوجود. لا يمكن نـزع عقيدة الخليقة من عقيدة الله، لأن الإيمان النظرى بإله بدون أن يكون هذا الاله هو الخالق هو إيمان فارغ ّ! الإيمان بالله يعني الإيمان بالخالق ولذلك ندعوه تعالى اسمه بالخالق أو البارى وندعو الوجود بالخليقة.

ولكننا عندما نصرح بإيماننا بالله لا نكتفي بالقول انه الخالق بل نردف قائلين انه قادر على كل شيء أو انه على كل شيء قدير. وهذا التصريح لا يعني أن الله يهيمن على النجوم والاكوان العديدة فقط بل هذا يعني أن الله يهيمن على مقدرات الكرة الأرضية الصغيرة التي يعيش على سطحها أكثر من ثلاثة مليارات بشري مثلك ومثلي! الله هو سيد التاريخ، ليس فقط تاريخ الامس بل تاريخ اليوم وتاريخ الغد. هذا لا يعني اننا نجعل الله مسئولا عن جميع الأمور المحزنة التي جرت ولا تزال تجري في التاريخ لأننا ما أن نذكر هذا الموضوع حتى نأتي على ذكر علاقة الله بالمخلوقات البشرية. والمخلوقات البشرية ليست كبقية مخلوقات الله: فالإنسان يختلف كليا وجذريا عن الحيوان والنبات والجماد. فعندما نقول أن الله هو المهيمن على التاريخ البشرى القديم والحديث فنحن نأخذ بعين الاعتبار وجود البشر المتمتعين بالمسؤولية والذين يقومون بأعمال حميدة أحيانا أو سيئة للغاية في أحيان أخرى. لا نلوم الله على مآسي التاريخ وفواجعه بل نلوم الإنسان. ولكننا عندما نضع المسؤولية على الإنسان لا نكون إذ ذاك مدعين بأن الإنسان له الكلمة الأخيرة في أمور التاريخ والعالم. كلا! يبقى الله المسيطر على الموقف وان صعب علينا رؤية ذلك ونحن نعيش كمعاصري إحدى حقب التاريخ.

ان كان الله هو السيد المطلق لأمور العالم والكون مع أخذ مسؤولية الإنسان ومقدرته النسبية على العبث بأمور الحياة بعين الاعتبار، نجابه هذا السؤال: كيف علينا أن نفسر التاريخ، التاريخ المعاصر، حوادث أمس واليوم والغد؟ هل هناك تفسير معصوم عن الخطأ لحوادث التاريخ – لا للحوادث الصغيرة التافهة – بل للأمور ذات الأبعاد الكبيرة؟ وبعبارة أخرى هل هناك مغزى إلهي المصدر لكل ما يجرى في عالمنا اليوم؟ هذا سؤال هام جدا نطرحه الآن وسنجيب عليه بالرجوع إلى قسم من الوحي الإلهي.

وبما أننا ندرس رسالات الأنبياء الاثني عشر الذين تنبأوا في أيام ما قبل الميلاد وفي الأرض المقدسة فأننا سوف نبحث عن جواب للسؤال الذي طرحناه ضمن نبوة احد هؤلاء الأنبياء واسمه عاموس. عاش هذا النبي في القرن التاسع قبل الميلاد في ناحية تسمى بتقوع جنوبي بيت لحم في البلاد المقدسة. وكان عاموس هذا في بادىء الأمر راعيا وجاني جميز. ولكن الله دعاه ليصبح نبيا وقال له في احـد الأيام"ذْهَبْ تَنَبَّأْ لِشَعْبِي إسرائيل"

ابتدأ النبي ينادى قائلا أن الرب يزمجر من صهيون ويعطي صوته من أورشليم فتنوح مراعي الرعاة وييبس رأس الكرمل! وبهذه الكلمات أفهم عاموس الناس بأن الله ساخط عليهم وهويبلغهم رسالة مستعجلة بواسطة عبده عاموس النبي. ونادى أيضاً النبي قائلا"إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائل الأرض لِذَلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ"وهذا يعني أن الناس كأفراد وكجماعات اذا ما تمتعوا بامتيازات عديدة فإن لهذه الامتيازات مسؤوليات ومن لم يقم بتتميم مطاليب الله بخصوص هذه المسؤوليات سيعاقب.

القصاص يتعلق بمقدار الامتيازات التي يتمتع بها الناس كأفراد وكجماعات. ومما قاله عاموس أيضاً: أن السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء، الاسد قد زمجر فمن لا يخاف؟ السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ؟

سألنا سابقا: هل هناك مغزى إلهي المصدر لكل ما يجرى في التاريخ؟ أو: كيف نفسر التاريخ البشرى بطريقة تتفق مع عقيدة سلطة الله على كل شيء ضمن التاريخ البشرى؟ وسوف نسعى الآن بأن نستخلص هذه المبادىء المستقاة من نبوة عاموس والتي ستساعدنا على الوصول إلى تفهم معنى التاريخ.

1. العصيان على الله بشتى ابعاده ومظاهره لابد له من أن ينال قصاص الله: قد نجد صعوبة في تفهم نجاح الأشرار وفشل الصالحين فنقول: اهناك عدل في الأرض؟ لماذا لا يعاقب الله الأشرار والطغاة؟ والجواب هو أن توقيت الله هو غير توقيت بني البشر ولكن الشر سيعاقب أن عاجلا أو اجلا. هذا أمر لا مفر منه. الخطية على الصعيد الفردى والاجتماعي ستعاقب وان كان مرتكبوها يتمتعون بها آنيا. هذه كلمات النبي عاموس وهو ينذر الخطاة الكبار في أيامه ولنلاحظ كيف أن كلماته لا تزال هامة للغاية حتى يومنا هذا. قال عاموس للذين لم يعودوا يؤمنون بأن الخطية تعاقب"3أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبْعِدُونَ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ وَتُقَرِّبُونَ مَقْعَدَ الظُّلْمِ 4الْمُضْطَجِعُونَ عَلَى أَسِرَّةٍ مِنَ الْعَاجِ وَالْمُتَمَدِّدُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ وَالْآكِلُونَ خِرَافاً مِنَ الْغَنَمِ وَعُجُولاً مِنْ وَسَطِ الصِّيرَةِ 5الْهَاذرُونَ مَعَ صَوْتِ الرَّبَابِ الْمُخْتَرِعُونَ لأَنْفُسِهِمْ آلاَتِ الْغِنَاءِ كَداود 6الشَّارِبُونَ مِنْ كُؤُوسِ الْخَمْرِ وَالَّذِينَ يَدَّهِنُونَ بِأَفْضَلِ الأَدْهَانِ وَلاَ يَغْتَمُّونَ عَلَى انْسِحَاقِ يُوسُفَ"

لم يكن هؤلاء المتنعمون والمتنعمات بأطايب الحياة المادية يعتقدون بأن الدينونة كانت على الأبواب لأنهم كانوا يعيشون في أيام عز بلادهم وكانت جميع الأمور تسير على رغبتهم. ولكن ساعة القصاص الرهيب كانت تقترب ولم يكن من القصاص منفذ أو مخرج! لابد من أن تنـزل على الناس دينونة الله العادلة أن كانوا يعيشون حياة البذخ والاسراف والتنعم على حساب الفقراء والمحتاجون والمضطهدين. دينونة الله آتية ولا مفر منها. فلا تحسد غير المؤمن وان كان غنيا ولا تظن أن الذي يكسر شريعة الله سينجو من القصاص واذكر هذا المبدأ وانت تحاول تفسير أمور الحاضر – على الصعيد الفردى والاجتماعي!

2. المظاهر الخارجية للديانة في حد ذاتها غير كافية: وصف النبي عاموس الحالة المؤسفة السائدة في البلاد وقد اقتبسنا قسما من وصفه ولكنه كان قد ذكر قبل ذلك أن هؤلاء الناس كانوا لا يزالون يقومون بالتقيد بالمظاهر الخارجية للديانة. وهذا يعني انهم انكروا فعليا أن الله يهتم بسلوك الافراد والجماعات وانه يمكن ترضية الله بالقيام ببعض المراسيم الدينية – كما كان يقوم بذلك عابدو الأوثان. ولكن عاموس قال لهم هذه الكلمات الإلهية"«بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِـاعْتِكَافَاتِكُمْ. 22إِنِّي اذا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي وَذَبَائح السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. 23أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ اسمعُ. 24وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائم"

لم يعن النبي عاموس أن الله كان يطلب من الناس ألا يتقيدوا بمطاليب الشريعة الموسوية ولكن مجرد المراسيم أو التقيد بها كان أمراً مكروها من الله. وهكذا فأننا لا نقدر أن نبعد دينونة الله عنا فيما اذا ما تمسكنا بالأمور الخارجية فقط وعشنا وكأن الله غير آبه بالحياة اليومية وبأمور الصلاح والخير والفضيلة. لننقش هذه الكلمات الإلهية على عقولنا وعلى قلوبنا: قال الله"24وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائم"

3. الدواء الوحيد لحالة الناس المحزنة هو التوبة الحقيقية: قال عاموس لمعاصريه من بني إسرائيل في أيام ما قبل الميلاد"4لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ لِبَيْتِ إسرائيل: «اطْلُبُوا فَتَحْيُوا. 5وَلاَ تَطْلُبُوا بَيْتَ إِيلَ وَإلى الْجِلْجَالِ لاَ تَذْهَبُوا وَإلى بِئر سَبْعٍ لاَ تَعْبُرُوا... 6اُطْلُبُوا الرَّبَّ فَتَحْيُوا"يطلب الله من الناس اذن بأن يطلبوه أي أن يسيروا على الطريق الذي رسمه هو لهم لأن النجاة من القصاص والدينونة، النجاة غير ممكنة بدون التوبة والعودة القلبية إلى الله.

ولابد لنا من القول اننا نعيش في أيام اكتمال الوحي الإلهي. فبعد أيام عاموس جاء انبياء عديدون ونادوا بكلمة الله وأخيرا جاء السيد المسيح ونفذ برنامج الله الخلاصي الفدائي وقام بعمله الخلاصي هذا فوق الصليب حيث مات للتكفير عن خطايا الناس.

على صليب اكمة الجمجمة حيث مات المسيح نرى بشاعة الخطية الإنسان إذ أن المسيح مات وهو البرىء والذي عاش حياة الطهارة والكمال بصورة مطلقة. خطية الإنسان تظهر بكل شرها على الصليب ولكن الإنسان لم ينجح في إسكات المسيح بل قام المسيح من الأموات وأظهر انتصاره على الشر والخطية والعصيان والشيطان.

وهكذا فإننا ندرس رسالات الأنبياء علينا أن نعلم أكثر من معاصري هؤلاء الأنبياء بأن الله يبقى دوما المسيطر على الموقف وبما أن الله هو المسيطر على التاريخ لا يمكن للإنسان بأن يصبح آلة صماء. فإن حوادث التاريخ متى فسرناها بمقتضى تعاليم كلمة الله تقودنا إلى القول بأن الخطية سوف تعاقب بكل تأكيد في حياة الافراد كأفراد وفي حياة المجتمعات البشرية أيضاً. التمسك بالمظاهر الخارجية للدين لا يكفي لردع دينونة الله الآتية. لا يقبل الله بديلاً عن التوبة الحقيقية، تلك التوبة التي هي ممكنة لأن الله علمنا بواسطة المسيح أن الغفران اكيد لكل من يتكل على المسيح المخلص.

ما هو موقفك من كل هذه الأمور؟ هل تلقنت درس نبوة عاموس؟ ليساعدك الرب لكي تفقه مبادىء كلمته فتستفيد من الخلاص الذي يقدمه لنا السيد المسيح مجانا. هذا هو أعظم خبر سمعته دنيانا: الخلاص، الانقاذ، التحرير، ممكن واكيد لكل من التجأ إلى المسيح وآمن به قلبيا، آمين. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • Hits: 3056
أضف تعليق