الله يختار داود

 في هذا الكتاب سنتأمل أولاً حياة نبي الله داود صاحب المزامير، الذي كان في مطلع حياته يرعى الأغنام، وكان مستعداً أن يبذل نفسه في سبيل خرافه. وفي صدر حياته لاقى التعب والعناء من مطاردة الملك شاول له، بعد أن غنّت بنات إسرائيل أن شاول قتل ألوفه، بينما قتل داود عشرات ألوفه. وفي بقية حياته مَلك على بني إسرائيل ونظّم دولتهم، كقائد سياسي وديني، يعلم الشعب طريق الرب.

وداود هو المرنم الذي نرتل مزاميره التي تملأ قلوبنا بالبهجة والعزاء، لأننا نعلم أن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، فكما تعامل مع داود يتعامل معنا ليبارك حياتنا.

ولا يوجد شخص آخر في التوراة يحمل اسم داود، إلا داود صاحب المزامير الذي نتحدث عنه في هذا الكتاب. ومعنى اسمه »المحبوب من الله«.

عائلة داود:

داود هو ابن يسى. ويقول التقليد اليهودي إن يسى كان رجلاً تقياً، ينسج السجاد الذي يفرشون به بيت الله، وكان يملك قطعة أرض صغيرة، كما كان يملك بعض الأغنام القليلة التي كان يرعاها له ابنه داود. لم يكن يسى غنياً ويظهر هذا من بساطة الهدية التي أرسلها لأولاده عندما كانوا يحاربون جليات الجبار، ومن قول أولاده عن أغنامهم إنها »غنيمات قليلة«. ولا نعرف شيئاً عن أم داود، غير أنه ذكرها في المزامير مرتين، فقال في المزمور 86:16: »أَعْطِ عَبْدَكَ قُوَّتَكَ وَخَلِّصِ ابْنَ أَمَتِكَ«. وفي المزمور المئة والسادس عشر يقول: »يَا رَبُّ. إَنِّي عَبْدُكَ. ابْنُ أَمَتِكَ«. (مزمور 116:16) وفي هاتين الآيتين يصف داود أمه بأنها »أَمة الرب« - كما قالت مريم العذراء عن نفسها إنها »أَمة الرب« بمعنى خادمة الرب (لوقا 1:38).

وكان لداود سبعة إخوة وأختان، وهو أصغر إخوته الأولاد، فكان قريباً في العمر من أولاد أخته التي كان اسمها »صروية« فأخذ من أولاد أخته مساعدين له في المملكة.

ولا بد أن إيمان هذه الأسرة كان ذا تأثير كبير على حياة داود. لقد أرضعت الأم ولدها الإيمان والحب للرب، وهكذا كل أم مؤمنة تكون بركة لنفسها ولكل أولادها، لأن الأم التقية تُرضع أولادها لبن الإيمان العديم الغش مع لبن الرضاعة.

كان داود محبوباً من الرب ومحبوباً من أمه وأبيه. ولكن إخوته كانوا يغارون منه، ولم يكونوا متعاطفين معه. وقد ظهرت خشونتهم معه في مرات كثيرة. ولكن داود كان كريماً معهم وكان محباً لهم، كما كان يوسف الصديق كريماً ومحباً لإخوته مع أنهم حسدوه وباعوه عبداً في مصر.

مكان ولادة داود:

وُلد نبيّ الله داود في بيت لحم، التي أُطلق عليها فيما بعد اسم »مدينة داود« تكريماً له ولها، بسبب ولادته فيها. وبيت لحم معناها »بيت الخبز« ويرجع هذا الاسم إلى أن المدينة الصغيرة كانت تقع فوق تل تحته وادٍ خصيب ينبتُ فيه القمح، الذي يصنعون منه الخبز، ولذلك صار اسمها بيت لحم أي »بيت الخبز«. هي تقع على مسافة ثمانية كيلو مترات من أورشليم. وهي أهم مدن فلسطين في التاريخ المقدس، فمع أنها صغيرة، جرت فيها قصة زواج بوعز من راعوث التي نجدها في سفر راعوث في التوراة. وفيها نشأ داود. وفوق هذا كله ففي بيت لحم وُلد السيد المسيح الذي جاءنا مولوداً في مذود. وفوق سهول بيت لحم رنَّت ترنيمات الملائكة: »الْمَجْدُ لِلّهِ فِي الْأَعَالِي، وَعَلَى الْأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ« (لوقا 2:14).

الله يكلم صموئيل عن داود:

داود هو الملك الثاني لبني إسرائيل. أما الملك الأول فكان شاول. وكان في المملكة قائد عظيم اسمه صموئيل، كان قاضياً للشعب كما كان كاهناً ونبياً للرب. وبدأ الملك شاول بداية طيبة، لكنه انحرف وعصى الرب ولم يطعه، وكانت النتيجة أن الله رفض شاول من المُلك. وحزن صموئيل النبي على شاول وبكى عليه، ولكن المملكة دوماً أهم من الملك، وعمل الرب دوماً أهم من الشخص الذي يعمله. لذلك قال الله لصموئيل: »حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ عَنْ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ؟ اِمْلَأْ قَرْنَكَ دُهْناً وَتَعَالَ أُرْسِلْكَ إِلَى يَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ، لِأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ لِي فِي بَنِيهِ مَلِكاً« (1صموئيل 16:1-13). أما قرن الدهن فهو الوعاء الذي يضعون فيه الدُهن الخاص، الذي يمسحون به الكهنة والملوك، علامة اختيار الله لهم. وهذا الدُّهن ذو رائحة طيبة. وأمر الرب صموئيل أن يذهب إلى بيت لحم ليقدم ذبيحة للرب، فأخذ صموئيل عِجْلة من البقر، وسار نحو بيت لحم وهو لا يعلم من يكون الملك الجديد، لكنه كان يعرف أن الرب سيعلن له من يكون ذلك الملك.

وما أن وصل صموئيل إلى بيت لحم حتى اجتمع حوله شيوخ المدينة، فقال لهم: »سلام. جئت لأذبح للرب. تقدسوا وتعالوا معي إلى الذبيحة«. واهتم صموئيل بأهل بيت يسى والد داود، وطلب أن يستعدوا استعداداً خاصاً، وربما نزل صموئيل ضيفاً عندهم. وكان الله قد قال لصموئيل إن الذي يمسحه ملكاً هو أحد أولاد يسى، ولذلك طلب أن يرى كل أولاد يسى، فجاء يسى ومعه كل أولاده، ما عدا داود الصغير. ورأى صموئيل النبي ابن يسى الأكبر واسمه أليآب، وكان طويل القامة وحسن المنظر، فظنّ صموئيل أن أليآب هو الشخص الذي يطلبه الرب ليكون ملكاً. ولكن الرب كان يقصد شخصاً آخر، فقال الرب لصموئيل: »لا تنظر إلى المظهر لأن الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب«.

هذه الكلمات تعلمنا درساً عظيماً. إن الله لا تهمه المظاهر الخارجية، لكنه يهتم كثيراً بحالة القلب الداخلية. فلتكن حالة قلوبنا موضع اهتمامنا، ولنعتنِ بأن يكون لنا القلب النقي، كما قال السيد المسيح: »طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللّهَ« (متى 5:8).

وجاء يسى بالابن الثاني واسمه أبيناداب ولكن الرب لم يقبله. وجاء بالابن الثالث واسمه شمة ولكن الرب لم يقبله. فجاء يسى بالأبناء الرابع والخامس والسادس والسابع، ولم يقبل الرب أحداً منهم. فقال صموئيل ليسى: »الرَّبُّ لَمْ يَخْتَرْ هؤُلَاءِ«. وفي حيرة تساءل صموئيل: »هَلْ كَمُلَ الْغِلْمَانُ؟« فأجاب يسى: »بَقِيَ بَعْدُ الصَّغِيرُ وَهُوَذَا يَرْعَى الْغَنَمَ«. فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: »أَرْسِلْ وَأْتِ بِهِ، لِأَنَّنَا لَا نَجْلِسُ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَى ههُنَا« (1صموئيل 16:11). فأرسل يسى رسولاً يدعو داود للحضور، فترك داود أغنامه في رعاية الرسول الذي أرسله أبوه، وأسرع ليقابل صموئيل رجل الله، وهو لا يعرف سبب تلك الدعوة المفاجئة.

صموئيل يمسح داود:

كان صموئيل نبي الله ينتظر دون أن يأكل، إلى أن وصل داود، الذي تصفه التوراة لنا بالقول: »كَانَ (داود) أَشْقَرَ مَعَ حَلَاوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ« (1صموئيل 16:12) وهنا أمر الرب صموئيل أن يمسح داود بالدهن المقدس، لأنه هو الملك القادم. وكان المَسح بالدهن رمزاً لتخصيص الإنسان لخدمة الله.

ولا زال الله يفتش عن أوانٍ بشرية لتعمل عمله، ولقد طلب داود ليعمل إرادته. فهل يجدك أنت مستعداً أن تعمل إرادته وتقوم بخدمته؟ استراح قلب صموئيل وهو يجد الشخص الذي اختاره الله، فأخذ قرن الدهن ومسح داود في وسط إخوته، وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعداً. وكما كانت الأرض خربة وخالية، فصارت فيها الحياة عندما رف روح الله على وجه المياه، هكذا أعطى روح الله داود قوة جسدية وعقلية وروحية جديدة، فصارت لداود معرفة الرب وامتلأ بالغيرة على عمل الله، واستعد لدعوة الله العليا له. وكما حل روح الله على داود يمكن أن يحل عليك ويملأك لتقوم بخدمة الرب ولتعمل عمله، فأدعوك أن تسلم حياتك للرب تسليماً كاملاً. لا تحتفظ بشيء لنفسك، ولا تسمح لشيء خاطئ أن يتواجد في قلبك. عليك أن تطلب من الله أن يطهرك وينقي حياتك، فلا يبقى فيها ما يعطل امتلاءك من الروح القدس. اجعل الرب صاحب السلطان الكامل عليك. اعزم أن تطيعه في كل ما يقوله لك، وعند هذا ستمتلئ من روح الرب.

الله يختارك أنت:

اختار الرب الغلام الصغير الذي كان يرعى الأغنام ليصبح قائداً لبني إسرائيل. اختاره صغيراً ليجهزه لهذه الخدمة الكبيرة. وأرجو أن نتذكر كيف يختار الله الناس ليخدموه. إن الله ينظر إلى قلوب البشر، ولا تهمه المظاهر لأنه يريد القلب والجوهر. لعن المسيح شجرة التين التي كانت مورقة دون أن تحمل ثمراً (مرقس 11:11-14). وهو يريدنا أن نكون مثمرين، نقدم للناس من حولنا ثمراً صالحاً يشبعهم ويفيدهم، لا بالكلام ولا باللسان لكن بالعمل والحق.

ونلاحظ أن حكم الله علينا يختلف عن حكم البشر علينا. كان صموئيل يظن أن أليآب الابن الأكبر ليسى هو الشخص الذي اختاره الله ليكون ملكاً. ولكن الله رأى أن داود هو الأصلح. وقد اختار الله داود لأنه رأى قلبه الصالح.

تأكد أن الله يعرف حالة قلبك ويريد أن يعطيك القلب النقي، ويسعدك بأن يغير حياتك. ادعُ الله أن يدخل قلبك ليجعل منك إناءً صالحاً لخدمته، وآلة مقدسة لطاعته وتنفيذ مشيئته.

الله يجهِّز البطل:

كان الله يجهز داود وهو يرعى غنمه في البرية. قال بعض المفسرين إن داود كان في الخامسة عشرة من عمره عندما مسحه صموئيل النبي. وقال آخرون إن عمره كان عشرين سنة. ولا نعلم بالضبط كم كان عمره، ولكننا نعلم أن الله كان يجهزه ليصير ملكاً. في الجو الجميل كان جسد داود يتقوى. في رعاية الغنم كان يستعمل السلاح، فيضرب الحجارة بمقلاعه ويصيب هدفه، وكان يسهر ليحمي أغنامه من اللصوص والوحوش. ولقد جهزه هذا ليرعى الشعب بعد ذلك بنفس الحب والحنان. ولقد علمته رعاية الأغنام كيف أن الله المحب هو الراعي الصالح، فكما يعتني بأغنامه يعتني الله بشعبه. وعندما كان يغني للغنم تعلم أن يعزف على العود، وهو يُنشد القصائد الموسيقية. وعندما كان يجلس مع أغنامه وحيداً، كان يتأمل صلاح الله ومحبته. وفي الليل عندما كان يسهر لحراسة غنمه كانت النجوم فوقه تحكي عن عظمة الله، فكتب بعد ذلك مزموره الذي قال فيه: »اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللّهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ« (مزمور 19:1). لقد كانت النجوم تحكي له عن محبة الله، فقال في مزموره الثامن: »إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الْإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ« (مزمور 8:3 و4).

لم تكن سنوات حياة داود الأولى سنوات غير مجدية ولكنها كانت سنوات التجهيز فقد كان الله يجهزه ليخدمه بعد ذلك.

عزيزي القارئ، قد تشعر أن حياتك بلا معنى، وأن السنوات التي تحياها الآن بغير قيمة. لكن لو أنك وضعت نفسك بين يدي الله وسلمت حياتك له، أؤكد لك أن هذه السنوات ستكون ذات قيمة، لأن الله يجهزك أثناءها لتخدمه ولتعمل مشيئته. إن الله يضع برنامجاً عظيماً لحياة الإنسان الذي يفتح قلبه لنعمة المسيح، فأدعوك أن تفعل ذلك.

داود نقي القلب:

عندما جاء صموئيل النبي ليمسح داود ملكاً لبني إسرائيل، تقول التوراة: »إن يسى قدس أولاده السبعة حتى يأتوا إلى الذبيحة«. أما داود فقد كان مستعداً دائماً. عندما جاء رجل ا لله للعبادة لم يكن داود محتاجاً للاغتسال أو التطهير. كانت حياته طاهرة، وكان قلبه دوماً للرب.

ونحن الآن ندعوك أن تنزع من قلبك الخصام. تصالح مع جارك، انزع من قلبك كل شكوى. كن شاكراً على كل شيء، مستعداً أن تتقابل مع الله في أية لحظة. إن أصحاب القلب النقي يستطيعون أن يكلموا الله دائماً، ليس بينهم وبينه حاجز، لأنهم يحبونه من كل قلوبهم، حباً يجعلهم مستعدين دوماً أن يخاطبوه وأن يتقربوا إليه في غير خوف.

الله يدرِّب داود:

كان الله يجهز عبده داود ليملك على بني إسرائيل، فعلَّمه عن عظمته وعن محبته. ودربه تدريباً كافياً ليجعل منه ملكاً عظيماً. وكان داود مستعداً لهذا، فكان منفتح القلب دوماً لمعاملات الله معه.

وهناك صفة أخرى جميلة في داود: أنه كان متواضعاً. يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن صموئيل النبي همس في أذن داود وهو يمسحه ملكاً: »ستكون ملك بني إسرائيل«. ولكن هذا لم يجعله يتكبر أو ينتفخ أبداً. الأغلب أن إخوته لم يفهموا معنى المسحة.

وكنا نظن أن يمتنع داود عن العودة إلى رعاية أغنامه بعد أن عرف أنه سيصير ملكاً، وأن يقوم أحد إخوته برعاية الغنم بدلاً منه. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. لقد رجع داود إلى أغنامه كما كان. اختار الله داود ووافق داود على الاختيار، بتواضع وبغير كبرياء.

ليعطنا الله التواضع الذي يجعلنا نقبل أن نقوم بأي عمل مهما كان بسيطاً. ولنتعلم من مثال السيد المسيح الذي قال: » ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ« (مرقس 10:45).

التعليقات   
0 #1 يعقوب قمر 2018-06-02 12:53
الرب يبحث عن آنية ضعيفة مُمتلئة من قوّة وحِكمة الرب ليستخدمها لمجد إسمه القدّوس. دعونا ننكسِر أمام شخص الله القدير ونقول بالإيمان كما قال يوحنا المعمدان: ينبغي أن ذاك يزيد وأنا أنقُص. آمين
الرب يبارك خدمتكم
أضف تعليق


  • تطبيق الإنجيل المسموع
    الإنجيل المسموع
    لأجهزة الأندرويد
  • تطبيق مركز دراسات الكتاب المقدس
    مركز دراسات
    الكتاب المقدس
  • تطبيق وعود الله
    وعود الله
    لأجهزة الأندرويد
  • Arabic GoBible
    الكتاب المقدس
    على الجوال
  • Arabic Bible For Palm
    الكتاب المقدس
    لحاسوب اليد
  • Arabic Bible Podcast
    بودكاست عربي
    العهد الجديد
  • Arabic Bible PocketPC
    الكتاب المقدس
    لحاسوب الجيب
  • Oak Tree Accordance
    برنامج
    Oak Tree
  • BibleWorks
    برنامج
    BibleWorks