الموت والقيامة

كيف يعيش الأموات؟

لا نعرف كثيراً عن الحياة بعد الموت، لأن الله الأزلي أوجد في حكمته هوة عميقة بين الأحياء والراقدين. ومن يتجاوز هذا الفاصل ويتصل بالأموات والأرواح، يسقط سريعاً إلى اضطراب نفسي عظيم، وينال قصاصاً أليماً في الدينونة، ويفقد الحياة الأبدية، ويرتبط بالموت والأرواح الشريرة.

والمسيح يؤكد لنا أن الله ليس إله الأموات، بل إله الأحياء وهذا يدل على أن مؤمني العهد القديم، كإبراهيم وموسى وإيليا، هم ممتلئو الحياة الأبدية والمجد، وقد ظهر موسى وإيليا للمسيح على جبل التجلي. وإبراهيم رأى ولادة المسيح (يوحنا 8:56) كما ارتاح لعازر المسكين في حضن إبراهيم (لوقا 16:22).

وقد أخبرنا المسيح، أنه في الآخرة، لا يوجد رجال ونساء بل المؤمنون به سوف يشبهون ملائكة الله المجيدة، الذين يخدمونه بفرح وحمد.

والأساس والسبب الجوهري لراحة المؤمنين في المسيح أنه طهر ضمائرهم بدمه، وعزى ذهنهم بروحه. هل تأكدت من غفران خطاياك؟ وهل ثبت في محبة الله عملياً، وسلكت في طهارة روحه، وصرفت أيامك بالاستقامة؟ ارجع إلى المصلوب وتب نادماً على آثامك، لكي يطهر دمه شعورك الباطني وتغلب محبته خبثك. لأنه بدون حياة الله الموهوبة للمؤمن، لا تجد راحة في هذه الدنيا ولا في الآخرة. وبر المسيح يبررك إلى الأبد، إن قبلت تبريره المنعم عليك.

لكن ما هي حالة الأموات بدون المسيح؟ إنهم لم ينالوا غفران خطاياهم، ولم يحفظوا من شكاوى الشيطان وتعذيبه. لذلك يتجولون مضطربين في فيافي الخوف. ولا يجدون راحة لأنفسم فكأنهم في جهنم، محرومون من الله ويعيشون في ندامة أبدية. ولا يقدرون أن يموتوا رغم تشوقهم للفناء. فيظهرون كأرواح شريرة، لأنه ليس إنسان صالحاً في نفسه. وشره يشهر ظاهراً بعد القبر. وكل من لا يتجدد بفداء المخلص، يبدو في جوف الموت روحاً نجساً. لأن من لم يمت عن كبريائه في اعتراف خطاياه فهو لم يقم في المسيح إلى الحياة الأبدية. ولكن "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مرقس 16:16).

ولا تنس إلى الأبد أن إيمانك خلصك، وليس أعمالك الصالحة. أن المسيح قد دعاك بنعمته من بين الجماهير الميتة في الذنوب، ونقلك إلى ملكوته وقوته وحياته. وكلمة الكنيسة لا تعني إلا شركة الأحياء في روح المسيح، الذين انتشلوا من سلطة الموت بواسطة كلمة الله الحية. هل أحيتك كلمة المسيح، وحفظتك نعمته في الحياة الأبدية؟

ولسوف تختبر بعد موتك أن رحاب المسيح حقيقية. وهناك يعيش المؤمنون في منازل أبيهم. وقد صعد المسيح إلى أبيه، وشهد لنا بكل وضوح قبل انطلاقه بوجود وطننا السماوي. فمكانك عند الله جاهز، إن ثبتّ في المسيح. ويريد ابن الله أن يجتذبنا إليه لأنه يحبنا، وجعلنا بواسطة روحه القدوس أعضاء جسده. وجسد المسيح الروحاني هذا، هو سرّ نصرنا فليس المسيحيون أفراداً فقط، بل يخصون شركة القديسين. وماتوا عن أنانيتهم الفاسدة، ويثبتون في المحبة الإلهية. وهذه المحبة أبدية، ولا تسقط أبداً. وبدون هذه الشركة في المحبة وتواضع المسيح، لا توجد حياة أبدية فيالإنسان.

وكما أننا في الموت نبقى مرتاحين في المسيح، هكذا نقلنا إيماننا بالفادي من ضيق العالم إلى سلامه، كقوله، الذي يلخص تعليمه في إنجيل يوحنا: "لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلَامٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يوحنا 16:33).

لاحظ من العهد الجديد العبارة "في المسيح" فتدرك سر الحياة الأبدية. لأننا في المسيح أصبحنا مختارين مدعوين متبررين أحياء خداماً آتين بثمار روحية. ونموت وسنحيا فيه حتماً. فالمسيح المقام من بين الأموات، هو نفسه رحاب سلطان الله، وملكوته الذي نعيش فيه. إنه يتحقق في الناس العائشين في قوة الروح القدس، لأن كل روحاني يعيش في المسيح ويثبت فيه. ويشهد العهد الجديد لك أكثر من مائة وخمس وسبعين مرة أن كيان المؤمنين مضمون "في المسيح" فلست تحيا أنت، بل المسيح يحيا فيك، وقد أصبحت جزءاً في المحب. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الْأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً" (2كورنثوس 5:17). فمن يدرك سر جوهر جسد المسيح في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، ويعيش في المحبوب، يمتلئ بالشكر والحمد والسجود، لأجل غنى الأبدية في المقام من بين الأموات. ولا تظنن أن الحياة الأبدية فيك، هي ملكك الخاص، بل تكون لك في شركتك مع المسيح، وفي شركة المؤمنين فقط. كما أن الخبز في العشاء الرباني يرمز لحلول المسيح فينا، ولكن لا يمكن لأحد أن يأكل الرغيف كله بل الجميع يشتركون فيه، ويشتركون في جسد المسيح.

هكذا نخص بعضنا بعضاً، كما أجزاء الرغيف المكسر. فالمسيح يوحد أعضاءه إلى وحدة المفديين وجيش المحبين، لأن حياته الأبدية ليست أنانية ولا انطوائية ولا متكبرة، بل وحدة ومحبة وخدمات، وشركة في التواضع والسرور.

هل اختبرت الحياة الأبدية؟ إنها تتحقق في شركة محبة القديسين، وتتسلسل في كل روحاني إلى الأبد. فمن يعيش في المسيح، يساهم في الكنيسة السماوية الحية، حيث تفرح الملائكة والقديسون بكل خاطئ يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة. وسحابة من الشهود تراقبنا، كيف نطرح الخطية المحيطة بنا بسهولة، ونحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا، ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع.

فوحدة أعضاء المسيح الراقدين، والذين لا يزالون عائشين بعد على الأرض، أقرب وأقوى وأكثر التحاماً مما نعرف. ولكن يجب علينا، ألا نتعبّد لهم ولا نطلب عوناً أو شفاعة من مخلوق ولو كان قديساً. كما أنك لا تتكلم مع يد أوعنق صديقك بل مع رأسه المفكر. فمن الرأس وحده تجري القوى والأوامر والدوافع الإرادية. فلهذا نرتكب خطية إن اتصلنا بالقديسين الأموات، لأن المسيح وحده هو مخلصنا ومنجينا وربنا. إنه يستحق وحدة ثقتنا ومحبتنا واتكالنا. ليست الكنيسة، ولا القديسون، ولا الأحبار، ولا الرهبان والشيوخ يخلصوننا بل المسيح رئيس الكهنة، الذي انقذنا من العالم، ويشفع فينا عند القدوس، ويديمنا بواسطة ابتهاله، ويقوي إيماننا بلطفه. 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع كلمة الحياة.
  • عدد الزيارات: 5139
أضف تعليق